كشف تقرير للمديرية العامة للمالية والخزينة الفرنسية، استناداً إلى آخر توقعات المؤسسات المالية الدولية، أن الاقتصاد التونسي يتجه خلال سنة 2026 نحو نمو محدود لا يتجاوز 2.1 بالمائة وفق تقديرات البنك الإفريقي للتنمية، فيما توقعت مؤسسات أخرى نسبة قريبة من ذلك، في وقت تواصل فيه تونس مواجهة تحديات مرتبطة بالاستثمار الخاص، والتوازنات المالية، وارتفاع كلفة الطاقة والمواد الأساسية.
نمو بـ2.1 بالمائة… السياحة والصادرات الصناعية تقودان الانتعاش
وحسب التقرير، فإن البنك الإفريقي للتنمية يتوقع أن تبلغ نسبة نمو الناتج الداخلي الخام في تونس 2.1 بالمائة خلال سنة 2026، مدفوعة أساساً بتحسن أداء القطاع السياحي واستعادة نسق الصادرات الصناعية.
لكن هذه التوقعات الإيجابية نسبياً تبقى محدودة بفعل عدة عوامل هيكلية، أبرزها ضعف الاستثمار الخاص، وصعوبات سوق الشغل، ومحدودية الإنتاجية، وهي عوامل ما تزال تحد من قدرة الاقتصاد التونسي على تحقيق معدلات نمو أعلى.
وأشار التقرير إلى أن السياسة النقدية ستبقى حذرة خلال الفترة المقبلة بهدف احتواء التضخم والمحافظة على استقرار الدينار التونسي، في ظل استمرار الضغوط على السيولة.
التضخم يبقى مصدر قلق… والأسعار الغذائية في الواجهة
وتشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن التضخم سيبقى من أبرز التحديات أمام الاقتصاد التونسي، حيث يُنتظر أن يبلغ حوالي 5.7 بالمائة خلال سنة 2026 وفق تقديرات البنك الإفريقي للتنمية.
كما أظهرت بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن نسبة التضخم استقرت في حدود 5.5 بالمائة خلال شهر ماي 2026، مدفوعة أساساً بارتفاع أسعار المواد الغذائية التي سجلت زيادة بـ8.6 بالمائة على أساس سنوي.
وسجلت أسعار بعض المنتجات الأساسية ارتفاعات لافتة، من بينها اللحوم الحمراء والدواجن، حيث ارتفع سعر لحم الضأن بـ21.8 بالمائة، والدواجن بـ15.6 بالمائة، واللحوم البقرية بـ14.1 بالمائة.
البنك المركزي يواصل سياسة الحذر
وفي هذا السياق، قرر البنك المركزي التونسي الإبقاء على نسبة الفائدة المديرية في مستوى 7 بالمائة خلال اجتماعه المنعقد يوم 3 جوان 2026.
وبرر البنك المركزي قراره باستمرار الضغوط التضخمية والمخاطر المرتبطة بالوضع الاقتصادي العالمي، خاصة ارتفاع أسعار المواد الأولية والطاقة والتوترات الجيوسياسية.
وأشار التقرير إلى أن النمو الاقتصادي سجل تباطؤاً خلال الثلاثي الأول من سنة 2026، حيث بلغ 2.6 بالمائة على أساس سنوي مقابل 2.7 بالمائة خلال الثلاثي الرابع من سنة 2025.
في المقابل، تحسن العجز الجاري، حيث تراجع إلى 2.7 مليار دينار في نهاية أفريل 2026 مقابل 3 مليارات دينار قبل سنة، بفضل تحسن مداخيل السياحة والخدمات التي ساهمت في الحد من تأثير ارتفاع فاتورة الطاقة.
كما بلغت احتياطات تونس من العملة الصعبة ما يعادل 104 أيام توريد بداية جوان، مقابل 98 يوماً في الفترة نفسها من السنة الماضية.
البنك الأوروبي لإعادة الإعمار أقل تفاؤلاً
من جهته، يرى البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية أن الاقتصاد التونسي سينمو بنسبة 2.2 بالمائة فقط خلال سنة 2026، بعد مراجعة توقعاته السابقة نحو الانخفاض.
وحذّر البنك من استمرار هشاشة الوضعية المالية والخارجية لتونس، خاصة بسبب ارتفاع كلفة واردات الطاقة والمواد الغذائية، وهو ما قد يزيد الضغط على الميزانية وعلى الحساب الجاري.
كما اعتبر أن هدف الحكومة خفض العجز الميزاني إلى حدود 6 بالمائة من الناتج الداخلي الخام خلال 2026 قد يواجه صعوبات في حال تواصل ارتفاع أسعار المحروقات.
الاستثمار الصناعي… نقطة الضوء الوحيدة
ورغم الصعوبات، تظهر بعض المؤشرات الإيجابية في القطاع الصناعي.
فحسب وكالة النهوض بالصناعة والتجديد، بلغت الاستثمارات المصرح بها في القطاع الصناعي خلال الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2026 حوالي 755 مليون دينار، مسجلة ارتفاعاً بـ18 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025.
وتتعلق هذه الاستثمارات بـ745 مشروعاً صناعياً يمكن أن توفر حوالي 12 ألفاً و934 موطن شغل.
وكانت الصناعات الغذائية في مقدمة القطاعات الجاذبة للاستثمار، حيث ارتفعت الاستثمارات المصرح بها فيها بنسبة 59.7 بالمائة لتبلغ 313 مليون دينار.
كما سجلت الصناعات المختلفة ارتفاعاً بـ90.4 بالمائة، والصناعات الميكانيكية والكهربائية زيادة بـ9.6 بالمائة.
ويشير التقرير إلى أن 70 بالمائة من هذه الاستثمارات ذات مصدر تونسي، مقابل 21 بالمائة استثمارات أجنبية خالصة و9 بالمائة في إطار شراكات.
تونس رابع إفريقيا في مؤشر التصنيع
وفي جانب إيجابي آخر، احتلت تونس المرتبة الرابعة إفريقيا في مؤشر التصنيع الصادر عن البنك الإفريقي للتنمية، خلف المغرب وجنوب إفريقيا ومصر.
ويؤكد التقرير أن هذه الدول الأربع تمثل الاقتصادات الصناعية الأكثر تقدماً في القارة، وتواصل الابتعاد عن بقية الدول الإفريقية في المجال الصناعي.
الفسفاط: إعادة ترتيب قيادة القطاع
وفي قطاع الفسفاط، تم تعيين عمر بوزوادة رئيساً مديراً عاماً موحداً لكل من شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي التونسي، خلفاً لعبد القادر عميدي وهادي يوسف.
ويأتي هذا القرار في وقت تواجه فيه تونس تحديات كبيرة لإعادة قطاع الفسفاط إلى مستويات إنتاجه السابقة، باعتباره أحد أهم مصادر العملة الصعبة ومكوناً أساسياً في الاقتصاد الوطني.
وتقدم المؤشرات الواردة في التقرير صورة لاقتصاد تونسي يتحرك في منطقة وسطى: تحسن نسبي في السياحة والصناعة والصادرات، مقابل استمرار ضغوط التضخم والعجز وضعف الاستثمار الخاص.
وبينما لا تتوقع المؤسسات الدولية انهياراً اقتصادياً، فإنها تؤكد في المقابل أن تحقيق نمو أقوى يبقى مرتبطاً بقدرة تونس على رفع الاستثمار، تحسين الإنتاجية، ومعالجة الاختلالات الهيكلية التي تحد من إمكانيات الاقتصاد.



