أظهرت أحدث المعطيات الأوروبية تراجعاً واضحاً في تدفقات الهجرة غير النظامية وطلبات اللجوء خلال عام 2026، في وقت يتزامن فيه ذلك مع تشديد الرقابة على الحدود الأوروبية وتكثيف التعاون مع دول العبور، وفي مقدمتها دول شمال إفريقيا.
وبحسب أحدث بيانات وكالة حرس الحدود والسواحل الأوروبية، تراجعت أعداد عمليات العبور غير النظامي المسجلة على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، فيما سجل مسار وسط البحر الأبيض المتوسط، المرتبط خصوصاً بتونس وليبيا وإيطاليا، انخفاضاً لافتاً مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز شركاء الاتحاد الأوروبي في الحد من الهجرة غير النظامية عبر المتوسط.
انخفاض كبير في طلبات اللجوء
وفي أحدث تقرير لها الصادر في 10 سبتمبر الجاري، أعلنت وكالة اللجوء التابعة للاتحاد الأوروبي أن دول الاتحاد الأوروبي، إلى جانب سويسرا والنرويج، تلقت نحو 332 ألف طلب لجوء خلال النصف الأول من عام 2026.
ويمثل هذا الرقم انخفاضاً بنسبة 17 بالمائة مقارنة بالنصف الأول من عام 2025، كما أنه أدنى مستوى مسجل خلال النصف الأول من أي عام منذ 2021، وفق الوكالة.
ولا يعني ذلك أن أوروبا خرجت من دائرة ضغط الهجرة، إذ لا تزال مئات آلاف الملفات قيد المعالجة، لكن الاتجاه العام خلال الأشهر الماضية أصبح أكثر ميلاً إلى الانخفاض.
وترى الوكالة أن هذا التراجع يرتبط بعدة عوامل، من بينها تغير الوضع السياسي في سوريا وانخفاض طلبات السوريين، إلى جانب استمرار الاتحاد الأوروبي في تعزيز التعاون مع دول المنشأ والعبور للحد من تدفقات الهجرة.
الأفغان في الصدارة وفرنسا الوجهة الأولى
وتصدر المواطنون الأفغان قائمة طالبي اللجوء خلال النصف الأول من العام بنحو 39 ألف طلب، يليهم الفنزويليون بنحو 33 ألفاً والبنغلاديشيون بنحو 20 ألف طلب.
وعلى مستوى الدول المستقبلة، جاءت فرنسا في المرتبة الأولى بنحو 69 ألف طلب، تلتها إيطاليا بـ66 ألفاً، ثم إسبانيا وألمانيا بنحو 55 ألف طلب لكل منهما. وتشير وكالة اللجوء الأوروبية إلى أن الدول الأربع استقبلت مجتمعة نحو ثلاثة أرباع إجمالي طلبات اللجوء في فضاء الاتحاد الأوروبي وسويسرا والنرويج.
كما بلغت نسبة الاعتراف بالحماية في القرارات الابتدائية نحو 31 بالمائة خلال النصف الأول من العام، في وقت دخل فيه الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء حيز التطبيق في 12 يونيو 2026، متضمناً إجراءات حدودية وإجراءات معجلة لفئات محددة من طالبي اللجوء.
ماذا عن طريق تونس وليبيا؟
التراجع لا يقتصر على طلبات اللجوء، بل يظهر أيضاً في أرقام التحركات على الحدود الأوروبية.
ويظل مسار وسط البحر الأبيض المتوسط من أهم المؤشرات بالنسبة إلى تونس، باعتباره أحد المسارات الرئيسية للوصول إلى إيطاليا. وكانت وكالة حرس الحدود الأوروبية قد ربطت في تقارير سابقة تراجع النشاط على هذا المسار بتكثيف جهود مكافحة شبكات التهريب والتعاون مع دول العبور، ولا سيما تونس وليبيا.
لكن الصورة الأوروبية ليست موحدة؛ فبينما تراجعت بعض المسارات، ارتفع النشاط على مسار غرب المتوسط، الذي يربط شمال إفريقيا بإسبانيا، وهو ما يعكس إحدى السمات المعروفة للهجرة غير النظامية: حين تشتد الرقابة على طريق، قد تبحث شبكات التهريب والمهاجرون عن طريق بديل.
وتحذر فرونتكس نفسها من قراءة أرقام العبور باعتبارها أعداداً دقيقة للأشخاص، إذ إن الإحصاءات تتعلق بعمليات رصد العبور غير النظامي، ويمكن للشخص نفسه أن يُحتسب أكثر من مرة إذا حاول عبور الحدود في مواقع مختلفة.
انخفاض التدفقات لا يعني نهاية مأساة المتوسط
ورغم الانخفاض الكبير في الأرقام، فإن البحر المتوسط لا يزال يحصد أرواح المهاجرين.
وتظهر أحدث بيانات المنظمة الدولية للهجرة، المحدثة في سبتمبر، تسجيل 2,253 حالة وفاة أو فقدان مرتبطة بمسارات الهجرة نحو أوروبا منذ بداية عام 2026، بينها نحو 995 حالة على مسار وسط المتوسط، وهو المسار الأكثر فتكاً بين المسارات الأوروبية وفق البيانات الحالية.
كما تشير بيانات المنظمة إلى وصول نحو 67,576 مهاجراً إلى أوروبا بحراً وبراً حتى 7 سبتمبر 2026، وهو رقم أقل بكثير من إجمالي الفترة نفسها من العام الماضي.
وهنا تظهر المفارقة التي لا تعكسها أرقام الانخفاض وحدها: تراجع عدد الواصلين لا يعني بالضرورة تراجع المخاطر، ولا يعني أن ظاهرة الهجرة غير النظامية انتهت.
تونس في قلب المعادلة الأوروبية
بالنسبة إلى تونس، تحمل هذه الأرقام دلالة تتجاوز الجانب الأمني. فقد أصبحت البلاد خلال السنوات الأخيرة جزءاً أساسياً من المعادلة الأوروبية لإدارة الهجرة في المتوسط، سواء من خلال مراقبة سواحلها أو مكافحة شبكات الاتجار بالبشر والتهريب أو التعاون مع الاتحاد الأوروبي في إعادة المهاجرين.
وتؤكد المعطيات الأوروبية الجديدة أن سياسات مراقبة الحدود والتعاون مع دول العبور أصبحت عاملاً مهماً في تغيير خريطة الهجرة نحو أوروبا، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن الضغط لم يختفِ، بل يمكن أن ينتقل بين المسارات والجنسيات وطرق العبور.
وفي الوقت الذي تسجل فيه أوروبا أدنى مستوى لطلبات اللجوء في النصف الأول من عام منذ سنوات، يبقى البحر المتوسط شاهداً على الوجه الآخر للأزمة: أعداد أقل تصل إلى الشواطئ الأوروبية، لكن آلاف الأشخاص ما زالوا يحاولون عبوره، وبعضهم لا يصل أبداً.
