الرئيسيةآخر الأخبار2000 دينار للشتيمة؟ بيرم التونسي قالها قبل 92 عاماً: تونس «مدينة الشتائم»

2000 دينار للشتيمة؟ بيرم التونسي قالها قبل 92 عاماً: تونس «مدينة الشتائم»

قبل أن يصل النقاش في تونس سنة 2026 إلى البرلمان، وقبل أن تظهر فكرة تغريم الكلام الفاحش في الشارع بمبالغ قد تصل إلى ألفي دينار، كان صحفي وأديب تونسي قد توقف، قبل أكثر من تسعين عاماً، أمام الظاهرة نفسها تقريباً.

إنه محمود بيرم التونسي الذي كتب سنة 1934 مقالاً عنونه «تونس مدينة الشتائم»، منتقداً ما رآه انتشاراً لافتاً للكلام البذيء في الحياة اليومية. وتكشف عودة نص بيرم اليوم أن السؤال ليس جديداً تماماً: هل تغيرت لغة الشارع التونسي فعلاً، أم أن ما نعتبره اليوم ظاهرة جديدة كان موجوداً منذ أجيال؟

المفارقة أن الإجابة لا تأتي فقط من الأدب والصحافة القديمة، وإنما أيضاً من البحث الأكاديمي الحديث.

بيرم التونسي… ملاحظة قبل 92 عاماً

في مقاله المنشور سنة 1934، تناول بيرم ما اعتبره انتشاراً للبذاءة في مدينة تونس، ووصف استعمالها في الحياة اليومية، حتى تحولت في نظره إلى ظاهرة اجتماعية تستحق النقد والتوقف عندها.

وتشير قراءات لاحقة لمقال بيرم إلى أنه لم يكن يتحدث عن الشتيمة باعتبارها مجرد انفجار غضب، وإنما عن استعمالها في مواقف الحياة اليومية، بما فيها الخصام والجدل والتعامل بين الناس. كما ربط انتشارها في ذلك السياق بصورة من صور الرجولة والفتوة.

أي أن الرجل الذي عاش تونس في ثلاثينيات القرن الماضي كان يرى بالفعل علاقة بين اللغة المستخدمة في الشارع وبين الثقافة الاجتماعية السائدة.

بعد 92 عاماً… باحث يضع «التيرانوصور التونسي» على طاولة المختبر

لكن اللافت أن الموضوع لم يتوقف عند ملاحظات بيرم.

في دراسة أكاديمية بعنوان «التيرانوصور التونسي: كلمات الشتائم في العربية المحكية في تونس»، حاول الباحث غابرييل بيتونا تقديم وصف علمي للشتائم واللعنات والألفاظ البذيئة المستخدمة في العربية التونسية، مع تحليل وظائفها التداولية والاجتماعية.

الدراسة منشورة ضمن عدد أكاديمي من سلسلة رومانو ـ عربيكا المتخصصة في الدراسات العربية، وتقدم تصنيفاً للشتائم والألفاظ الفاحشة في العربية المحكية في تونس، مع تحليل لطريقة استخدامها وسياقاتها.

والعنوان نفسه، «التيرانوصور التونسي»، يحمل قدراً من السخرية، لكنه يخفي وراءه بحثاً لغوياً جدياً في واحدة من أكثر المناطق حساسية في اللغة اليومية.

ليست كل شتيمة إهانة

وهنا تكمن إحدى أهم النقاط التي تجعل القضية أكثر تعقيداً من مجرد إصدار قانون.

فالشتيمة في اللغة اليومية لا تؤدي دائماً الوظيفة نفسها.

يمكن أن تكون إهانة مباشرة، ويمكن أن تكون تعبيراً عن الغضب، ويمكن أن تستخدم في المشاجرة، لكنها قد تتحول في سياقات أخرى إلى أداة للسخرية أو المزاح أو التعبير عن الألفة بين الأصدقاء.

وهذا يعني أن الكلمة وحدها قد لا تكون كافية للحكم على طبيعة الفعل؛ فالسياق والعلاقة بين المتحدثين والمكان والشخص الذي توجه إليه الكلام كلها عناصر يمكن أن تغير معنى العبارة ووظيفتها الاجتماعية.

وهنا تحديداً تصبح مهمة المشرّع أصعب: هل سيعاقب الكلمات؟ أم النية؟ أم السياق؟ أم الأثر الذي تتركه على الآخرين؟

من بيرم إلى وسائل التواصل الاجتماعي

الموضوع لم يعد محصوراً في الشارع.

فمع انتقال جزء كبير من الحياة الاجتماعية إلى مواقع التواصل الاجتماعي، أصبح الكلام المسيء واللغة السامة موضوعاً للبحث العلمي أيضاً.

ومن بين الدراسات الحديثة بحث بعنوان «مجموعة بيانات تونسية لرصد الخطاب السام»، أنجزه باحثون تونسيون واعتمد على نحو عشرة آلاف تعليق لتطوير قاعدة بيانات تساعد على اكتشاف المحتوى السام والمسيء آلياً. الدراسة تضع انتشار المحتوى المسيء على وسائل التواصل الاجتماعي ضمن تحديات اللغة التونسية الرقمية.

كما طورت أبحاث أخرى موارد لغوية خاصة بالعربية التونسية المكتوبة بطريقة «العربيزي»، بما يسمح للباحثين بدراسة اللغة اليومية التي يستخدمها التونسيون في المحادثات الرقمية.

وبذلك انتقلت الشتيمة من ملاحظة صحفي في ثلاثينيات القرن الماضي إلى موضوع للبحث اللغوي والاجتماعي، ثم إلى مادة يمكن للذكاء الاصطناعي نفسه أن يتعلم كيفية رصدها وتصنيفها.

فهل التونسي أكثر بذاءة من غيره؟

هنا ينبغي الحذر من القفز إلى نتيجة لا تثبتها الدراسات.

وجود قاموس غني للشتائم في اللهجة التونسية لا يعني أن التونسيين أكثر بذاءة من بقية الشعوب، كما أن كثرة تداول بعض الألفاظ لا تعني بالضرورة استخدامها دائماً للإهانة.

هناك أبحاث مماثلة حول الكلمات المحرمة واللغة البذيئة في مجتمعات عربية أخرى، ومنها دراسة سوسيولغوية حول الكلمات المحرمة في المجتمع المغربي، اعتمدت على استطلاع شمل 200 شخص بالغ، ودرست استخدام هذه الكلمات وسياقاتها الاجتماعية وطرق تجنبها أو استبدالها بتعبيرات ملطفة.

وبالتالي، فإن وجود الشتائم في اللغة ليس خصوصية تونسية، لكن ما يميز كل مجتمع هو أنواع الشتائم، والموضوعات التي تدور حولها، والأشخاص الذين توجه إليهم، ومتى تصبح مقبولة اجتماعياً ومتى تتحول إلى إهانة خطيرة.

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: ماذا تغير؟

ربما لم يتغير التونسي بالقدر الذي نعتقده.

بيرم التونسي كان يسمع الشتائم في شوارع تونس سنة 1934.

وباحثون بعد عقود طويلة وجدوا أن العربية التونسية تحتوي على منظومة واسعة من الشتائم واللعنات والتعبيرات البذيئة.

واليوم تنتقل هذه اللغة نفسها إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يمكن أن تصل في دقائق إلى آلاف الأشخاص.

الجديد، إذن، قد لا يكون وجود الشتيمة، وإنما اتساع فضائها وسرعة انتشارها، وظهور رغبة قانونية في وضع حدود لها عندما تحدث في الفضاء العام.

من «مدينة الشتائم» إلى غرامة ألفي دينار

من هنا تبدو المبادرة التشريعية التي أعلن عنها النائب فتحي منصف الجبالي أكثر إثارة للاهتمام.

فهي لا تأتي في مجتمع يكتشف الشتيمة لأول مرة، وإنما في مجتمع ناقشها صحفياً قبل أكثر من تسعة عقود، ودرسها أكاديمياً لاحقاً، ثم نقلها اليوم إلى مستوى التشريع.

المبادرة المقترحة تستهدف الألفاظ البذيئة والعنف اللفظي في الأماكن العامة، مع تشديد العقوبات في بعض الحالات، خصوصاً عند وجود أطفال أو بالقرب من المؤسسات التعليمية، وقد تصل الغرامة المقترحة إلى ألفي دينار.

لكنها، حتى الآن، مبادرة مقترحة وليست قانوناً نافذاً.

وهنا يعود السؤال الذي يبدو أقدم من المبادرة نفسها:

هل المطلوب أن نعلّم التونسي كيف يتحدث، أم أن نحمي الأطفال والمارة من كلام لم يختاروا سماعه؟

وبين الأمرين مسافة قانونية واجتماعية كبيرة.

فإذا كان بيرم التونسي قد رأى قبل 92 عاماً أن تونس أصبحت «مدينة الشتائم»، فإن تونس سنة 2026 تبدو أمام اختبار جديد: هل تستطيع أن تضع حدوداً للكلام الفاحش من دون أن تضع حدوداً للكلام نفسه؟

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى