ترى أريان غِرسي، المتخصصة في قضايا الجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية، أن تونس، رغم صغر حجمها مقارنة بالقوى الإقليمية والدولية، تمتلك موقعا استراتيجيا يجعلها لاعبا محوريا في معادلات الأمن والطاقة والهجرة والتوازنات الجيوسياسية في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا.
وتؤكد غِرسي في تحليلها أن تجاهل تونس من قبل الولايات المتحدة والقوى الغربية قد يمثل خطأ استراتيجيا، في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، من المنافسة مع الصين وروسيا إلى تصاعد التحديات الأمنية في منطقة الساحل.
رغم أنها لا تحتل عادة صدارة الاهتمام الدولي، فإن تونس تتمتع بموقع استراتيجي يتجاوز بكثير حجمها الجغرافي والديمغرافي والاقتصادي. فهذه الدولة الواقعة في أقصى شمال إفريقيا، على مرمى حجر من السواحل الأوروبية، وتحديدا أمام جزيرة صقلية، توجد عند أحد أكثر مفترقات الطرق حساسية في البحر الأبيض المتوسط، ما يجعلها نقطة التقاء بين أوروبا والمغرب العربي ومنطقة الساحل والشرق الأوسط.
و بحسب تحليل أريان غِرسي » فانه في وقت تنشغل فيه الولايات المتحدة بأزمات أكثر بروزا، من التنافس مع إيران إلى الصراع مع الصين واضطرابات منطقة الساحل، فإن تجاهل تونس قد يعني ترك المجال مفتوحا أمام قوى منافسة، والتخلي عن ورقة استراتيجية منخفضة التكلفة يمكن أن تساعد في التأثير على توازن القوى في شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء.
موقع جغرافي يجعل تونس خط تماس بين القارات
تقول الباحثة كمن أهمية تونس أولا في موقعها الجغرافي. فمضيق صقلية، الذي يفصلها عن إيطاليا على مسافة تقارب 90 ميلا بحريا، يمثل ممرا حيويا للطاقة والتجارة والهجرة. جنوبا، تنفتح تونس على الصحراء الكبرى وعلى منطقة الساحل المضطربة، بينما ترتبط شمالا مباشرة بالفضاء الأوروبي.
هذا الموقع يمنحها دورا محوريا في مراقبة والتأثير على تدفقات الأشخاص والسلع ورؤوس الأموال، وكذلك مواجهة شبكات الجريمة المنظمة والتهديدات العابرة للحدود.
فملفات الهجرة القادمة من إفريقيا جنوب الصحراء نحو أوروبا، ومسارات التهريب، والتهديدات الإرهابية في الساحل، وأمن الطاقة، وحركة الملاحة البحرية في المتوسط، كلها تتقاطع بدرجات مختلفة مع الأراضي التونسية.
تاريخ طويل من الأهمية الاستراتيجية
يكشف التاريخ التونسي أن القوى الكبرى نظرت دائما إلى هذا البلد باعتباره منصة للنفوذ أو بوابة للتحكم في المنطقة.
فقرطاج كانت منافسا بحريا قويا للإمبراطورية الرومانية التي سعت إلى القضاء عليها، وفي العصور الوسطى شكلت المنطقة نقطة عبور بين العالمين الإسلامي والبحر المتوسط. ثم دخلت تونس مرحلة النفوذ العثماني قبل أن تصبح تحت الحماية الفرنسية، كما لعبت خلال الحرب العالمية الثانية دورا محوريا في حملة شمال إفريقيا.
حتى الولايات المتحدة، منذ بدايات حضورها الدولي، اهتمت بشمال إفريقيا وسواحلها لضمان حرية الملاحة في البحر المتوسط.
هذه الخلفية التاريخية تؤكد أن أهمية تونس لا تظهر فقط عند اندلاع الأزمات، بل لأنها تقع دائما على خط تماس بين البحر والصحراء، وبين أوروبا وإفريقيا.
الثروة الحقيقية: رأس المال البشري التونسي
إلى جانب الموقع الجغرافي، تمتلك تونس عاملا استراتيجيا آخر يتمثل في رأسمالها البشري. فهي تضم نسبة مرتفعة من المتعلمين وخريجي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.
وهذا يمنحها قدرة على بناء اقتصاد أكثر ابتكارا يقوم على الخدمات المتطورة، والصناعات الخفيفة، والتكنولوجيا، والفلاحة الذكية، والصناعات الموجهة للتصدير.
لكن هذا العامل يمكن أن يتحول أيضا إلى مصدر هشاشة إذا غابت فرص العمل والاندماج الاقتصادي الدولي.
فبعد أحداث 2011، تمكنت التنظيمات الجهادية من استغلال حالة الاضطراب الاجتماعي والسياسي، واستقطبت عددا من الشباب التونسيين للانضمام إلى شبكات متطرفة.
وبالتالي فإن مستقبل الكفاءات التونسية يمثل قضية جيوسياسية: إما أن تصبح قوة دفع للاستقرار والتنمية، أو تتحول إلى عامل تستغله شبكات معادية.
تونس… شريك أمني محتمل للولايات المتحدة في إفريقيا
ترى الدراسة أن تونس يمكن أن تمثل بالنسبة لواشنطن « مصدرا للاستقرار » في المنطقة.
فالعلاقات العسكرية بين الولايات المتحدة وتونس تعود إلى عقود، لكنها تعززت بشكل خاص بعد الاستقلال سنة 1956، ثم بعد 2011 بسبب تصاعد التهديدات الإرهابية والأزمة الليبية.
وقد قدمت واشنطن دعما للجيش والأجهزة الأمنية التونسية عبر التمويل والتكوين والتجهيز والتدريبات المشتركة.
لكن العلاقة يمكن أن تتطور من مجرد مساعدة تونس على مواجهة المخاطر الداخلية إلى جعلها منصة للتكوين والتنسيق ودعم دول إفريقية أخرى.
هل تصبح تونس بوابة نحو الساحل؟
تكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في ظل تراجع النفوذ الغربي في منطقة الساحل، بعد الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وتنامي النفوذ الروسي وظهور توجهات أكثر رفضا للوجود الغربي.
في هذا السياق، يمكن أن تقدم تونس نموذجا مختلفا، فهي لا تحمل الإرث الاستعماري الفرنسي نفسه، كما أنها تجمعها روابط ثقافية ولغوية وجغرافية مع عدد من الدول الإفريقية.
وتشير الدراسة إلى أن التدريبات العسكرية الدولية مثل « الأسد الإفريقي » و »فلينتلوك » يمكن أن تتحول إلى أدوات لتعزيز التعاون بين القوات التونسية والأمريكية والأوروبية والإفريقية.
كما أن امتلاك تونس لقدرات لوجستية، من بينها طائرات النقل العسكرية، وبنية تدريبية ملائمة للعمليات في البيئات الصحراوية وشبه الصحراوية، يمكن أن يمنحها دورا أكبر في تدريب القوات الإفريقية ووحدات مكافحة الإرهاب وحفظ السلام.
البعد الاقتصادي: من المساعدات إلى الاستثمار
غير أن الاستقرار التونسي لا يمكن أن يعتمد فقط على التعاون الأمني. فالأزمة الاقتصادية، وارتفاع البطالة، والضغوط الاجتماعية، والتحديات المالية، كلها عوامل تهدد الاستقرار على المدى الطويل.
وترى الدراسة أن النموذج التقليدي للمساعدات الدولية أصبح أقل فعالية، خاصة مع تعثر الإصلاحات المرتبطة بصندوق النقد الدولي.
وبدل التركيز فقط على برامج المساعدة، يمكن للولايات المتحدة وأوروبا اعتماد استراتيجية تقوم على الاستثمار والإنتاج والتصدير.
فتونس تمتلك مزايا مهمة: قربها من السوق الأوروبية، اتفاقياتها التجارية مع الاتحاد الأوروبي، موقعها البحري، كفاءاتها التقنية، وشبكة صناعية قائمة منذ سنوات.
ومن القطاعات الواعدة:
- الصناعات الغذائية والفلاحية،
- الصناعات الدوائية،
- مكونات السيارات والطائرات،
- تكنولوجيا المعلومات،
- الخدمات الرقمية،
- الابتكار الزراعي.
تونس في قلب المنافسة بين الغرب والصين وروسيا
ترى الكاتبة أن تونس أصبحت أيضا جزءا من التنافس الدولي.
فالصين توسع حضورها عبر مشاريع البنية التحتية والاتصالات، بينما تسعى روسيا إلى تعزيز نفوذها عبر أدوات أمنية وسياسية في إفريقيا.
وفي حال لم تقدم الولايات المتحدة وأوروبا بدائل اقتصادية واستثمارية مقنعة، فإن تونس قد تصبح أكثر انفتاحا على عروض منافسين استراتيجيين.
وتملك واشنطن، بحسب الدراسة، أدوات للتأثير عبر المؤسسات المالية الدولية، مثل البنك الدولي والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية والبنك الإفريقي للتنمية، من أجل دعم مشاريع تتماشى مع المصالح الغربية.
إيطاليا وأوروبا… مصالح مباشرة في استقرار تونس
تحتل إيطاليا موقعا خاصا في هذه المعادلة، نظرا لارتباط مصالحها مباشرة بتونس في ملفات الطاقة والهجرة والأمن البحري والتجارة.
وتعتبر مشاريع الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا مثالا على انتقال العلاقة من منطق المساعدة إلى منطق الشراكة الاستراتيجية.
فتونس الأكثر اندماجا مع أوروبا صناعيا وطاقيا ستكون أقل عرضة للضغوط الخارجية، وأكثر قدرة على لعب دور جسر نحو إفريقيا.
التحدي السياسي: كيف يتعامل الغرب مع تونس؟
لكن الوضع السياسي الداخلي يظل عاملا حساسا. فالتوترات المتعلقة بمسار الحكم في عهد الرئيس قيس سعيد ساهمت في تراجع مستوى الدعم الغربي.
وهنا يبرز المأزق التقليدي للسياسة الخارجية الأمريكية: كيف يمكن الدفاع عن القيم الديمقراطية دون خسارة النفوذ الاستراتيجي؟
فانسحاب غربي مبالغ فيه قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، ويدفع تونس نحو شركاء أقل اهتماما بهذه الملفات.
تونس ليست هامشا… بل محور
تخلص الدراسة إلى أن تونس يجب ألا تُنظر إليها كدولة هامشية، بل كدولة محورية.
فالخيار أمام الولايات المتحدة وأوروبا واضح: إما التحرك مبكرا عبر استثمارات موجهة وشراكات أمنية واقتصادية أكثر مرونة، أو انتظار تفاقم الأزمات ثم دفع كلفة أكبر للتدخل.
وبحسب الكاتبة، فإن تونس قادرة على أن تصبح أحد أعمدة الاستقرار الإقليمي، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، بل أيضا بسبب مواردها البشرية وقدرتها على لعب دور حلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي.
***أريان غِرسي هي محللة جيوسياسية إيطالية متخصصة في قضايا شمال إفريقيا والشرق الأوسط، تحمل شهادة في العلوم الدولية والدبلوماسية، وتابعت تكوينا في مجال الأديان والوساطة الثقافية ومكافحة الإرهاب الدولي. وهي مؤسسة مدونة « كابوت موندي » ومشرفة قسم الجغرافيا السياسية في الموقع، حيث تنشر تحليلات حول العلاقات الدولية والأمن الإقليمي.



