الرئيسية اقتصاد « صاروخ » في السيولة النقدية… لماذا ارتفع التعامل بالكاش في تونس؟ وماذا يعني...

« صاروخ » في السيولة النقدية… لماذا ارتفع التعامل بالكاش في تونس؟ وماذا يعني ذلك للاقتصاد؟

0
17
blank

تكشف آخر أرقام البنك المركزي التونسي عن تطور لافت في حجم الأوراق النقدية والعملات المتداولة في السوق، حيث بلغ حجم الأوراق النقدية والعملات المتداولة خارج البنوك 29.859 مليار دينار يوم 6 أوت 2026، وهو مستوى يثير تساؤلات حول أسباب تزايد الاعتماد على الدفع نقدا بدل المرور عبر القنوات البنكية.

في المقابل، بلغت احتياطات تونس من العملة الصعبة 24.928 مليار دينار، أي ما يعادل 97 يوما من التوريد، فيما بلغ حساب الخزينة العامة 2.291 مليار دينار، ووصل حجم إعادة التمويل لدى البنك المركزي إلى 10.841 مليار دينار.

لكن الرقم الذي لفت انتباه المتابعين هو تحديدا ارتفاع حجم النقد المتداول « بالكاش »، وهو مؤشر اقتصادي له أكثر من قراءة.

لماذا يزداد استعمال النقد في تونس؟

اقتصاديا، ارتفاع حجم الأوراق النقدية المتداولة يعني أن جزءا كبيرا من الأموال يتحرك خارج النظام البنكي. وهذا قد يكون نتيجة عدة عوامل، من بينها:

  • ضعف الثقة في القطاع البنكي لدى جزء من المواطنين الذين يفضلون الاحتفاظ بأموالهم نقدا.
  • اتساع الاقتصاد الموازي الذي يعتمد أساسا على المعاملات النقدية خارج الفواتير والمنظومة الجبائية.
  • ارتفاع الأسعار والتضخم، إذ يحتاج المواطن إلى مبالغ أكبر من المال نقدا لشراء نفس السلع والخدمات مقارنة بالسنوات السابقة.
  • تراجع استعمال الشيكات والتحويلات البنكية مقارنة ببعض الدول التي تعتمد بشكل أكبر على الدفع الإلكتروني.

هل ارتفاع النقد المتداول مؤشر خطر؟

ليس بالضرورة. فوجود سيولة نقدية كبيرة في الاقتصاد أمر طبيعي عندما يكون النشاط الاقتصادي مرتفعا. لكن المشكلة تظهر عندما تصبح نسبة كبيرة من الأموال خارج الدورة البنكية.

فعندما يحتفظ المواطنون والشركات بأموالهم خارج البنوك، فإن ذلك يعني:

  • أموالا أقل متاحة للإقراض والاستثمار.
  • صعوبة أكبر في مراقبة حركة الأموال.
  • خسائر محتملة في الموارد الجبائية للدولة.
  • توسع التعاملات غير الرسمية.

بمعنى آخر، الدينار الموجود في البنك يمكن أن يتحول إلى قرض واستثمار ومشروع، أما الدينار الموجود خارج المنظومة البنكية فيبقى غالبا مجرد وسيلة دفع وحفظ للثروة.

هل هناك علاقة بين « الكاش » والاقتصاد الموازي؟

تونس تعرف منذ سنوات توسعا للاقتصاد الموازي، وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن جزءا مهما من النشاط التجاري يتم خارج المنظومة الرسمية.

كلما ارتفع حجم النقد المتداول، يصبح السؤال المطروح: هل السبب هو حاجة الاقتصاد إلى السيولة؟ أم أن جزءا متزايدا من الأموال يبتعد عن الرقابة البنكية والجبائية؟

وهنا تكمن أهمية متابعة تطور هذا المؤشر وليس الرقم وحده.

ماذا تقول بقية المؤشرات؟

رغم ارتفاع النقد المتداول، فإن وضعية الاحتياطات من العملة الصعبة تبدو أفضل مقارنة بفترات سابقة، إذ تغطي تونس حاليا قرابة ثلاثة أشهر من الواردات.

لكن في المقابل، ارتفاع إعادة التمويل لدى البنك المركزي إلى أكثر من 10.8 مليارات دينار يعكس استمرار حاجة القطاع البنكي إلى السيولة، وهو ما يطرح تحديات أمام السياسة النقدية.

رسالة تحتاج إلى قراءة

ارتفاع النقد المتداول إلى قرابة 30 مليار دينار لا يعني وحده وجود أزمة، لكنه يكشف تحولا مهما في سلوك التونسيين وطريقة دوران الأموال داخل الاقتصاد.

فالسؤال الحقيقي ليس فقط: كم من الدينارات موجودة في السوق؟
بل أيضا: أين توجد هذه الدينارات؟ وهل تعمل على تمويل الاقتصاد أم أنها تبقى خارج الدورة الإنتاجية؟

في اقتصاد يحتاج إلى الاستثمار وخلق الثروة، يبقى انتقال الأموال من « الخزائن والمنازل والأسواق غير المنظمة » إلى « البنوك والمشاريع » أحد أكبر التحديات الاقتصادية في تونس.

blank