كشفت مصادر دبلوماسية مطّلعة عن تحركات فرنسية تقودها الرئاسة الفرنسية لتأمين إمدادات الطاقة وخفض كلفة المحروقات، في إطار تحرّك يشمل عدداً من دول الخليج، بالتوازي مع مساعٍ لتسهيل الملاحة في مضيق هرمز والبحث عن مسارات بديلة لنقل النفط والغاز نحو البحر المتوسط.
في مواجهة أزمة الطاقة والضغوط المتزايدة على أسعار المحروقات، تتحرك فرنسا بقيادة الرئيس إيمانويل ماكرون على أكثر من جبهة لتأمين الإمدادات، والحد من ارتفاع كلفة النقل البحري، والبحث عن مسارات بديلة تتيح نقل النفط والغاز من دول الخليج إلى الأسواق العالمية بعيداً عن الاعتماد الحصري على مضيق هرمز.
وتقوم المقاربة الفرنسية، وفق معطيات منسوبة إلى مصادر في قصر الإليزيه بشأن جولة ماكرون الخليجية، على حزمة من الإجراءات التي تجمع بين تأمين كميات إضافية من المحروقات، والتفاوض مع الأطراف المعنية لخفض أقساط التأمين البحري، إلى جانب الدفع نحو تحرك دولي يضمن استعادة حرية الملاحة بالكامل في المضيق الاستراتيجي.
كميات إضافية من السعودية والإمارات والبحرين
على مستوى الإمدادات، تتضمن التفاهمات التي أعلنت عنها المعطيات الفرنسية تأمين نحو 95 ألف طن شهرياً من المملكة العربية السعودية خلال شهري أكتوبر ونوفمبر، إضافة إلى قرابة 100 ألف طن شهرياً من الديزل من دولة الإمارات العربية المتحدة.
كما تشمل الترتيبات تأمين نحو 100 ألف طن إضافية شهرياً من البحرين، في حين تتجه المحادثات مع الكويت نحو تعزيز قدرات التخزين على أراضيها، خصوصاً بالنسبة إلى الديزل ووقود الطائرات.
أما الإمدادات الموجهة إلى الأقاليم الفرنسية ما وراء البحار، فلا تزال محل نقاشات متواصلة، وفق المعطيات ذاتها.
وتعكس هذه الأرقام توجهاً فرنسياً نحو تعزيز أمن الإمدادات في فترة تتسم بحساسية أسواق الطاقة تجاه أي اضطراب في حركة الناقلات، غير أن أثر هذه التفاهمات على الأسعار والكميات المتاحة فعلياً سيظل مرتبطاً بمدى تنفيذ الالتزامات واستمرار تدفق الشحنات.
خفض التأمين البحري لتشجيع عبور مضيق هرمز
لا تقتصر التحركات الفرنسية على البحث عن كميات إضافية من النفط والوقود، بل تشمل أيضاً محاولة معالجة أحد العوامل التي ترفع كلفة النقل في المناطق عالية المخاطر، وهو التأمين البحري.
وتسعى باريس إلى التفاوض مع كل طرف معني بهدف خفض أقساط التأمين على السفن، بما يشجع على عبور كميات أكبر من المحروقات عبر مضيق هرمز، الذي يمثل ممراً حيوياً لتجارة الطاقة العالمية.
فارتفاع المخاطر الأمنية يمكن أن يدفع شركات التأمين إلى زيادة أقساطها، كما قد يجعل شركات الشحن أكثر تردداً في إرسال سفنها إلى المنطقة. ومن ثم، فإن خفض كلفة التأمين، إذا تحقق، قد يساعد على تقليص جزء من الأعباء التي يتحملها قطاع النقل، وإن كان ذلك لا يضمن وحده تراجع أسعار الوقود للمستهلكين.
تحالف بحري فرنسي بريطاني
وفي الجانب الأمني، تعمل فرنسا بالتنسيق مع المملكة المتحدة على طرح مبادرة لتشكيل تحالف بحري يهدف إلى تسهيل عبور السفن، والدعوة إلى الاستعادة الكاملة لحرية الملاحة في مضيق هرمز.
ويكشف هذا التوجه عن محاولة للجمع بين تأمين الإمدادات والتحرك الدبلوماسي والأمني، بدلاً من الاكتفاء بإجراءات اقتصادية قصيرة المدى. فاستقرار حركة الملاحة في المضيق لا يرتبط فقط بتوافر النفط والغاز، بل أيضاً بقدرة الناقلات على عبور الممر من دون أن تتحمل مخاطر أو تكاليف استثنائية.
ومع ذلك، فإن طرح مبادرة لتشكيل تحالف بحري لا يعني، في حد ذاته، أن التحالف أصبح قائماً أو أن ترتيباته العملياتية قد اكتملت؛ إذ يظل التنفيذ مرتبطاً بالتفاهمات السياسية والأمنية بين الدول المعنية.
أنابيب لنقل النفط والغاز بعيداً عن هرمز
ومن بين المحاور التي تتطلع باريس إلى دفعها على المدى الطويل، إطلاق مشاريع كبرى للبنية التحتية تتيح لدول الخليج المنتجة للطاقة نقل النفط والغاز عبر خطوط أنابيب تتجاوز مضيق هرمز، باتجاه البحر المتوسط.
وتستهدف هذه الفكرة تقليص الاعتماد على ممر بحري واحد، وفتح مسارات بديلة لتصدير الطاقة في حال تعرض الملاحة لاضطرابات أو ارتفاع حاد في تكاليفها.
لكن إنجاز مثل هذه المشاريع يتطلب استثمارات كبيرة، وتنسيقاً بين دول متعددة، إلى جانب دراسات فنية وجغرافية واتفاقات بشأن التمويل والتشغيل والأمن. لذلك، فإنها تمثل توجهاً استراتيجياً طويل الأجل، وليست حلاً فورياً لأزمة الأسعار أو اضطرابات الإمدادات.
المخزونات الاستراتيجية ضمن حزمة أوسع
وتؤكد المقاربة الفرنسية أن التحركات في الخليج تأتي مكمّلة لأدوات أخرى تستخدمها باريس وشركاؤها، من بينها الإفراج عن جزء من المخزونات الاستراتيجية ضمن مجموعة السبع، بهدف تعزيز المعروض والتخفيف من آثار اضطرابات السوق.
وتراهن فرنسا بذلك على مسارات متوازية: تأمين شحنات إضافية، وخفض تكاليف النقل والتأمين، ودعم حرية الملاحة، ثم الاستثمار في بدائل للبنية التحتية تقلل هشاشة الإمدادات مستقبلاً.
وتبقى المرحلة المقبلة مرتبطة بمتابعة تنفيذ الالتزامات المعلنة، والتحقق من الكميات التي ستصل فعلياً، ومدى انعكاسها على أسعار الطاقة. فالفارق كبير بين الاتفاق على تأمين الإمدادات وتحويله إلى شحنات منتظمة، كما أن زيادة المعروض لا تؤدي بالضرورة إلى انخفاض سريع في الأسعار إذا ظلت المخاطر الجيوسياسية وتكاليف النقل مرتفعة.
وبالنسبة إلى الأسواق المستوردة للطاقة، ومنها دول تعتمد على الخارج لتلبية جزء مهم من حاجاتها، فإن نجاح هذه الجهود قد يساعد على تخفيف ضغوط الإمدادات، لكن نتائجه ستظل رهينة تطورات الملاحة في الخليج، وكلفة الشحن، وحركة الأسعار في الأسواق العالمية.
