قرار فرنسي جديد يدخل حيز التنفيذ الثلاثاء المقبل وقد يطال آلاف العاملين في مراكز النداء التونسية.. والسوق الفرنسية تمثل 84% من رقم معاملات القطاع
ابتداءً من 11 أوت 2026، تدخل فرنسا مرحلة جديدة في تنظيم التسويق الهاتفي، مع بدء تطبيق قواعد تمنع الاتصال بالمستهلكين لأغراض تجارية من دون الحصول مسبقاً على موافقتهم الصريحة.
وقد يبدو القرار للوهلة الأولى شأناً فرنسياً داخلياً، لكنه يحمل أهمية كبيرة بالنسبة إلى تونس، باعتبار أن قطاع مراكز النداء والعلاقة مع الحرفاء التونسي يعتمد بدرجة كبيرة جداً على السوق الفرنسية.
ووفق معطيات دراسة قطاعية نشرتها الصحافة التونسية، فإن نحو 84 بالمائة من رقم معاملات قطاع مراكز النداء والعلاقة مع الحرفاء في تونس يأتي من حرفاء فرنسيين، فيما يضم القطاع قرابة 250 مؤسسة تنشط في خدمات الإسناد الخارجي وإدارة العلاقة مع الحرفاء لفائدة الأسواق الأجنبية. وقد بلغ رقم معاملات القطاع نحو 1.181 مليار دينار سنة 2023، مقابل 831 مليون دينار سنة 2019.
ما الذي سيتغير في فرنسا؟
حتى الآن، كان النظام الفرنسي يقوم أساساً على مبدأ السماح بالتسويق الهاتفي مع إمكانية اعتراض المستهلك عبر منظومة «بلوك تيل». لكن ابتداءً من 11 أوت، تنتقل فرنسا إلى مبدأ مختلف تماماً: لا اتصال تجارياً هاتفياً من دون موافقة مسبقة.
وتؤكد وزارة الاقتصاد الفرنسية أن الموافقة يجب أن تكون حرة ومحددة وواضحة وغير ملتبسة وقابلة للسحب، كما يجب أن يكون بإمكان الشركات إثبات حصولها عليها والاحتفاظ بالدليل لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات.
وبالتالي، فإن مركز النداء الموجود في تونس والذي يجري مكالمات تجارية لفائدة شركة أو حرفاء في فرنسا لن يكون بمنأى عن هذه القاعدة، لأن طبيعة العملية مرتبطة بالمستهلك الموجود في السوق الفرنسية.
لماذا يهم الأمر تونس أكثر مما يبدو؟
المسألة الأساسية بالنسبة إلى تونس ليست عدد المكالمات التي ستتوقف، وإنما طبيعة النشاط الذي ستتأثر به.
فالمعطيات القطاعية تشير إلى أن 41 بالمائة من رقم معاملات مراكز النداء التونسية تأتي من المكالمات الصادرة، منها نحو 33 بالمائة مرتبطة بالتسويق واستقطاب الحرفاء، بينما تمثل المكالمات الواردة 39 بالمائة، وتستحوذ الأعمال الإدارية وخدمات الدعم على 20 بالمائة.
وهذا يعني أن الجزء الأكثر تعرضاً للتغيير هو تحديداً النشاط الذي يعتمد على الاتصال بالحريف بهدف تسويقه أو إقناعه بشراء منتج أو خدمة من دون أن يكون قد طلب الاتصال مسبقاً.
أما مراكز النداء التي تعمل في خدمة الحرفاء، والدعم الفني، ومتابعة العقود القائمة، ومعالجة الملفات، والخدمات الإدارية، فمن المرجح أن يكون تأثير القرار عليها مختلفاً وأقل مباشرة.
هل نحن أمام تهديد لعشرات الآلاف من الوظائف؟
ليس من الدقيق القول إن القرار الفرنسي سيؤدي آلياً إلى فقدان عشرات الآلاف من الوظائف في تونس.
فالقرار لا يحظر كل أشكال الاتصال الهاتفي، وإنما يستهدف أساساً التسويق الهاتفي غير المطلوب. كما أن المؤسسات التي تتعامل مع حرفاء لديهم علاقة قائمة معها أو مع مستهلكين سبق أن منحوا موافقتهم، يمكنها مواصلة بعض أشكال الاتصال وفق الشروط الجديدة.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن بعض مراكز النداء التونسية قد تكون مطالبة بإعادة تنظيم نماذج أعمالها، خصوصاً تلك التي تعتمد بدرجة كبيرة على المكالمات الصادرة لاستقطاب حرفاء جدد.
وهنا تبرز نقطة شديدة الأهمية بالنسبة إلى تونس: كلما كان المركز أكثر اعتماداً على التسويق الهاتفي المباشر، كان تعرضه للتغيير أكبر. وكلما كان نشاطه قائماً على خدمة الحريف والدعم والأعمال الإدارية والخدمات الرقمية، كان هامش المناورة أوسع.
من التسويق الهاتفي إلى العلاقة الرقمية
القرار الفرنسي قد يدفع أيضاً قطاع مراكز النداء التونسي إلى تسريع تحول كان قد بدأ بالفعل: الانتقال من نموذج يقوم على الاتصال العشوائي بالحرفاء إلى نموذج يعتمد على الحريف الذي يبادر أو يوافق على التواصل.
وهذا التحول قد يعني مزيداً من الاعتماد على المنصات الرقمية، والرسائل الإلكترونية، وتحليل بيانات الحرفاء، وخدمات ما بعد البيع، والدعم الفني، وإدارة العقود، إلى جانب استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لمساعدة الموظفين.
وفي هذا السياق، لا يبدو أن الذكاء الاصطناعي يعني بالضرورة اختفاء العنصر البشري من القطاع، بقدر ما قد يؤدي إلى تغيير طبيعة الوظائف نفسها، بحيث يتولى الموظف الحالات الأكثر تعقيداً، بينما تتكفل الأدوات الرقمية بالمهام المتكررة.
تونس أمام اختبار جديد
بالنسبة إلى تونس، تكمن حساسية القرار في درجة الاعتماد الكبيرة على السوق الفرنسية.
فعندما يأتي نحو 84 بالمائة من رقم معاملات قطاع مراكز النداء والعلاقة مع الحرفاء من السوق الفرنسية، فإن أي تغيير تشريعي كبير في فرنسا يمكن أن يتحول سريعاً إلى عامل مؤثر في نشاط مؤسسات تونسية تعمل من داخل تونس ولكنها تخدم مستهلكين في الخارج.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه ليس فقط: كم عدد الوظائف التي يمكن أن تتأثر؟
بل أيضاً: هل تستطيع مراكز النداء التونسية الانتقال سريعاً من نموذج التسويق الهاتفي إلى نموذج أكثر اعتماداً على الخدمات الرقمية، والدعم، والعلاقة مع الحريف، والخدمات ذات القيمة المضافة؟
فالقرار الفرنسي، الذي يستهدف أساساً حماية المستهلك من الاتصالات التجارية غير المرغوبة، قد يتحول بالنسبة إلى تونس إلى اختبار حقيقي لقدرة قطاع كامل على تنويع خدماته وتقليص اعتماده على التسويق الهاتفي والسوق الفرنسية وحدها.



