أظهرت أحدث البيانات الإحصائية الصادرة عن «موجز السجون العالمي» لشهر سبتمبر 2026، مؤشرات مقلقة تتعلق بواقع السجون ونسب الاكتظاظ وأعداد الموقوفين في عدد من دول شمال وجنوب حوض البحر الأبيض المتوسط. وتُعد هذه المنصة، المتاحة عبر موقع ، قاعدة بيانات إلكترونية دولية تتيح الوصول المجاني لمعلومات أنظمة السجون عالمياً، ويستضيفها حالياً معهد أبحاث سياسات الجريمة والعدالة التابع لكلية بيركبيك بجامعة لندن.
وتتزامن هذه الأرقام مع تحركات برلمانية عاجلة؛ حيث أعربت لجنة الحقوق والحريات بمجلس نواب الشعب التونسي، في بيان لها يوم الإثنين 22 سبتمبر 2026، عن قلقها البالغ إزاء الأوضاع داخل السجون ومراكز الإيقاف. وفي خطوة تهدف إلى معالجة هذه الأزمة الهيكلية، جددت اللجنة دعوتها إلى التوسع في تطبيق العقوبات البديلة كحل عملي ومستعجل للحد من الاكتظاظ الشديد وتخفيف الضغط المتزايد على المؤسسات السجنية.
الاكتظاظ السجني: مصر وتونس في الصدارة بأرقام قياسية
كشفت الإحصائيات الخاصة بمؤشر «نسبة الإشغال بناءً على السعة الرسمية» عن أزمة اكتظاظ خانقة تعاني منها المؤسسات الإصلاحية في دول جنوب المتوسط؛ إذ حلّت مصر في المرتبة الأولى بنسبة إشغال بلغت 207.3% من طاقتها الاستيعابية الرسمية، تلتها تونس مباشرة في المرتبة الثانية بنسبة 194.1%، مما يعني أن السجون في هذين البلدين تستقبل ضعف قدرتها الاستيعابية تقريباً. وتتطابق هذه النسبة الرسمية المرتفعة مع مخاوف اللجنة البرلمانية التونسية التي طالبت بضرورة تحسين ظروف الاحتجاز لا سيما في الجوانب المتعلقة بالتهوية، ومكافحة الحرارة، وتوفير المياه والرعاية الصحية والخدمات الإنسانية الأساسية.
وفي ذات السياق الإقليمي، سجلت المغرب نسبة إشغال بلغت 153.3%، تلتها ليبيا وفرنسا بنسبة متطابقة بلغت 141.6% لكل منهما، في حين استقرت إسبانيا كأقل الدول في هذه القائمة بنسبة إشغال بلغت 77.2%.
ليبيا وتونس الأعلى في معدلات السجناء لكل 100 ألف نسمة
وفيما يتعلق بمؤشر «نسبة عدد السجناء لكل 100,000 من إجمالي السكان»، تصدّرت ليبيا القائمة بتسجيل 269 سجيناً لكل 100 ألف مواطن، وجاءت تونس في المركز الثاني بفارق ضئيل جداً بمعدل 267 سجيناً، والمغرب ثالثاً بـ 253 سجيناً، ثم الجزائر بـ 217 سجيناً. وتكشف هذه الأرقام عن فجوة كبيرة عند مقارنتها بالدول الأوروبية (شمال المتوسط) الواردة في التقرير، حيث سجلت فرنسا 131 سجيناً، وإسبانيا 121 سجيناً، وإيطاليا واليونان 111 سجناء لكل 100 ألف نسمة.
الموقوفون الاحتياطيون: تونس تتصدر بنسبة تتجاوز نصف النزلاء
سجل التقرير مؤشراً لافتاً في تصنيف «المحتجزون قبل المحاكمة / السجناء رهن التحقيق» (النسبة المئوية من إجمالي نزلاء السجون)، حيث اعتلت تونس الصدارة بنسبة بلغت 54.9%، وهو ما يعني أن أكثر من نصف المودعين في السجون التونسية هم من الموقوفين تحفظياً ولم تصدر بحقهم أحكام نهائية بعد، مما يفسر جزئياً أسباب تفاقم أزمة تكدس النزلاء المذكورة. وجاءت المغرب في المرتبة الثانية بنسبة 37.6%، ثم مصر بنسبة 33.3%، وفرنسا بنسبة 31.7%، بينما سجلت إسبانيا النسبة الأقل بين الدول المقارنة بواقع 17.6%.
نسب السجينات: البرتغال وإسبانيا في المقدمة وليبيا الأقل
أما على صعيد التوزيع الجندري ونسبة «السجينات من مجموع السجناء»، فقد أظهرت البيانات تفوق الدول الأوروبية في نسب الإناث داخل السجون، حيث تصدّرت البرتغال النسبة الأعلى بواقع 7.4%، تلتها إسبانيا بنسبة 7%، واليونان بنسبة 5.4%. وفي المقابل، انخفضت هذه النسب بشكل ملحوظ في الدول العربية، حيث سجلت مصر نسبة 3.7%، وتونس 3.1%، والمغرب 2.5%، والجزائر 1.5%، بينما تذيلت ليبيا القائمة بنسبة سجينات بلغت 1.1% فقط من إجمالي النزلاء.
أعلنت السلطات التونسية أنها تعمل على التخفيف من اكتظاظ السجون من خلال تفعيل الآليات القانونية والقضائية المتاحة، والتوسع في اعتماد العقوبات البديلة للمحكومين في قضايا بسيطة، سعياً لتقليص الضغط المتزايد على المؤسسات الإصلاحية وتأهيل المحتجزين.
وفي سياق متصل يصب في اتجاه تخفيف التكدس، أصدر الرئيس التونسي قيس سعيّد في 11 سبتمبر 2026 عفواً رئاسياً خاصاً بمناسبة العودة المدرسية والجامعية للعام الدراسي 2026-2027. وشمل هذا العفو عدداً من التلاميذ والطلبة المساجين والموقوفين في قضايا مسك واستهلاك المواد المخدرة، وذلك وفق شرط أساسي ومشدد يقضي بعدم تورطهم نهائياً في جرائم ترويج أو بيع المخدرات، مما يسهم عملياً في خفض أعداد النزلاء في السجون التونسية.
