المتأمل في مشهد تدشين إعادة فتح المكتبة الجهوية بالمنستير لا يملك إلا أن يصاب بالدهشة من حجم « البهرج » الذي رافق الحدث. وزيرة الشؤون الثقافية، والي الجهة، وعشرات المسؤولين المحليين والجهويين، طوقوا المكان في موكب رسمي مهيب، وتوجوا المشهد بإزاحة الستار عن لوحة رخامية ضخمة نُقش عليها الاسم والتاريخ بوقار مبالغ فيه، وكأننا بصدد تدشين مفاعل نووي أو معلم تاريخي يُبنى لأول مرة في البلاد.
هنا تحديداً تكمن المفارقة والصدمة؛ هل يحتاج ترميم مكتبة عمومية وتجهيزها بالكتب إلى كل هذه « البروتوكولات » التي تجاوزها الزمن؟ أليس صيانة المنشآت العامة، وتوفير المراجع للطلاب والباحثين، وتحديث قاعات المطالعة هو صلب الواجب اليومي الروتيني للدولة تجاه مواطنيها؟ في أي عالم نعيش حتى يتحول القيام بالوظيفة الأساسية للإدارة إلى « حدث وطني » يستوجب حشد الكاميرات والمسؤولين ونقش التواريخ على الرخام؟
هذا الاستعراض الإداري يبدو مستفزاً جداً للمواطن التونسي اليوم، خاصة في ظل وضع اقتصادي خانق يفرض على الجميع التقشف وضغط المصاريف. فالأموال والجهود التي أُهدرت في التنسيق لهذا الموكب وإعداد الرخام، كان الأجدر بها أن تذهب لدعم رصيد مكتبة أخرى في مناطق ظل محرومة، أو لإصلاح سقف مدرسة يتسرب منها المطر. لكن العقلية البيروقراطية ما زالت تصر على تحويل « الواجب الطبيعي » إلى منّة وإنجاز يستحق الاحتفال والتوثيق الأبدي.
الخوف كل الخوف، والخشية الحقيقية التي يتداولها المتابعون، هي أن تنتهي مفاعيل هذا « الحدث الوطني » بمجرد مغادرة الموكب الرسمي وإطفاء كاميرات التلفزة. فالتجارب السابقة علمتنا أن بريق الرخام وقص الشريط لا يضمنان بالضرورة استمرارية الخدمات أو جودتها، وأن الكثير من الفضاءات فُتحت بزخم مماثل ثم عادت لتغرق في الركود الإداري وغياب الأنشطة الحقيقية.
لقد سئم التونسيون ثقافة « قص شريط » المنشآت القديمة-الجديدة، وينتظرون اليوم الذي تصبح فيه صيانة المرافق الثقافية خبراً عادياً يمر دون جلبة، لأن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بوزن الرخام ولا بعدد المسؤولين في الصورة، بل بعدد العقول التي تستفيد من هذا الفضاء يومياً بعد أن تنفض عنه أقدام الرسميين.
ولعل أفضل تلخيص لهذا الوضع الكاتبة المعروفة السيدة أمنة الرميلي
