ين أرباح بمئات الملايين من الدنانير ومكافآت بملايين أخرى، تكشف القوائم المالية لسنة 2025 تفاوتاً لافتاً بين الشركات المدرجة في بورصة تونس في ما تنفقه على رؤسائها ومديريها. ومجمع دليس من أبرز الحالات التي تستحق التوقف عندها.
كم تربح أكبر الشركات التونسية، وكم تدفع في المقابل لرؤساء مجالس إدارتها ومديريها العامين؟ سؤال تجيب عنه القوائم المالية لسنة 2025 المنشورة على موقع هيئة السوق المالية، وتكشف الإجابات عنه أن حجم الأرباح لا يحدد بالضرورة قيمة المبالغ التي يحصل عليها كبار المسؤولين.
وبحسب أرقام وردت في تحليل يستند إلى هذه القوائم، حققت أكبر 20 شركة مدرجة في بورصة تونس، من حيث الأرباح، ما مجموعه 2.425 مليار دينار من النتائج الصافية الفردية خلال سنة 2025.
وتصدّر البنك الدولي العربي التونسي قائمة هذه الشركات بأرباح بلغت 385.3 مليون دينار، متقدماً على البنك الوطني الفلاحي والشركة التونسية لصناعة المشروبات.
لكن ترتيب الشركات من حيث الأرباح لا يتطابق مع ترتيبها من حيث المبالغ المخصصة لمسؤوليها، وهو ما يبرز اختلاف سياسات الأجور والمكافآت بين المؤسسات.
دليس.. 8.77 مليون دينار لمسؤولي المجمع
تلفت حالة مجمع دليس القابضة الانتباه في هذه المقارنة. فقد بلغت نتيجته الصافية الفردية 64.8 مليون دينار سنة 2025، في حين وصلت المبالغ المخصصة لمسؤوليه إلى نحو 8.77 مليون دينار، أي ما يعادل 13.5% من أرباح الشركة القابضة، وفق الأرقام الواردة في التحليل.
ولا تتعلق هذه المبالغ كلها بما دفعته الشركة القابضة مباشرة، إذ يشير التقرير إلى أن جانباً مهماً منها صُرف عبر الشركات التابعة للمجمع.
وبحسب تقرير خاص لمراقبي الحسابات أشار إليه التحليل، دفعت ست شركات تابعة ما مجموعه 6.41 مليون دينار في شكل أجور ومنح أداء لرئيس مجلس إدارة المجمع خلال سنة 2025.
وتطرح هذه الأرقام أسئلة بشأن كيفية توزيع مكافآت المسؤولين بين الشركة القابضة وفروعها، والمعايير المعتمدة لتحديدها. لكنها لا تثبت، في حد ذاتها، وجود مخالفة أو سوء تصرف.
شركات أقل أرباحاً تدفع مبالغ أكبر
ولا تقتصر الفوارق على قطاع الصناعات الغذائية. ففي القطاع المصرفي، أظهر التحليل أن البنك الدولي العربي التونسي، الذي حقق أعلى الأرباح ضمن القائمة، خصص نحو 2.04 مليون دينار لمسؤوليه، أي ما يعادل 0.53% من نتيجته الصافية الفردية.
أما التجاري بنك، فقد بلغت المبالغ المعلنة لفائدة مسؤوليه نحو 5.16 مليون دينار، شاملة المساهمات الاجتماعية، وفق المصدر نفسه.
وسجل الاتحاد الدولي للبنوك بدوره نحو 4.06 مليون دينار لفائدة مسؤوليه، رغم أن أرباحه كانت أقل بنحو أربعة أضعاف من أرباح البنك المتصدر، بحسب المقارنة الواردة في التقرير.
وتوضح هذه الأرقام أن حجم المؤسسة أو أرباحها لا يكفيان وحدهما لتفسير مستوى أجور المسؤولين ومكافآتهم، إذ تختلف طرق احتساب هذه المبالغ ومكوناتها من شركة إلى أخرى.
في تونس للإيجار المالي.. 2.48 مليون دينار لقيادات الشركة
ومن الحالات الأخرى التي أوردها التحليل شركة تونس للإيجار المالي والتخصيم، التي حققت نتيجة صافية فردية بلغت 34.2 مليون دينار سنة 2025.
وخصصت الشركة، وفق الأرقام المنشورة، نحو 2.48 مليون دينار لرئيس مجلس الإدارة والمدير العام ومساعديه الاثنين، وهو مبلغ يعادل قرابة 7.2% من أرباحها.
كما أشار التحليل إلى شركة «ساه» المتخصصة في منتجات النظافة، حيث يبلغ الأجر الثابت الإجمالي لمديرها العام 627 ألف دينار سنوياً، إضافة إلى منحة متغيرة مرتبطة بنتائج الشركة المجمعة.
وقدّر معدّ التحليل قيمة هذه المنحة بما بين 2.4 و2.5 مليون دينار، على أساس احتسابها بنسبة 4% من النتيجة الصافية المجمعة. غير أن هذا المبلغ يظل تقديراً لم تؤكده الشركة، وفق المصدر ذاته.
هل تعني هذه الأرقام أن أجور المسؤولين مبالغ فيها؟
لا يمكن الوصول إلى هذا الاستنتاج اعتماداً على الأرقام وحدها. فالمقارنة لا تقوم على قاعدة موحدة تماماً، إذ تعرض بعض الشركات أجوراً إجمالية، بينما تشمل الأرقام لدى شركات أخرى المساهمات الاجتماعية والتكاليف الإضافية.
كما تتضمن بعض المبالغ تعويضات استثنائية لا تتكرر سنوياً. ويشير التحليل، على سبيل المثال، إلى إدراج تعويض عن نهاية المسار المهني بقيمة 2.5 مليون دينار صافٍ ضمن المبالغ المعلنة لإحدى الشركات.
ولهذا، فإن المقارنة تقدم مؤشرات عن حجم الإنفاق على كبار المسؤولين، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على مدى تناسب أجورهم مع أدائهم أو لتحديد وجود تجاوزات.
وتبقى المسألة الأساسية مرتبطة بمدى وضوح معايير تحديد الأجور والمنح، وطريقة توزيعها بين الشركات الأم والشركات التابعة، ومدى إتاحة المعلومات اللازمة للمساهمين والجمهور لفهم هذه المبالغ.
ففي نهاية المطاف، لا تكشف القوائم المالية حجم الأرباح فقط، بل تتيح أيضاً التعرف على جانب من كلفة إدارة الشركات الكبرى، وتفتح المجال لنقاش أوسع حول الحوكمة والشفافية في المؤسسات المدرجة في بورصة تونس.
