من الإرهاب والجريمة والحدود إلى الكهرباء والحرارة واضطراب الخدمات.. تحذيرات السفر الأجنبية تكشف وجهًا جديدًا للمخاطر التي قد يواجهها السائح في تونس
لم يعد السائح الأجنبي الذي يخطط لقضاء عطلته في تونس يقرأ فقط عن مخاطر الإرهاب والجريمة والمناطق الحدودية. ففي أحدث إرشادات السفر الصادرة عن عدد من الحكومات الأوروبية، ظهرت مسألة كانت تُعتبر حتى وقت قريب شأنًا داخليًا بالأساس: احتمال انقطاع الكهرباء خلال أشهر الصيف.
وفي أحدث نسخة من إرشادات السفر الألمانية، المؤرخة في 24 أوت 2026، خصصت وزارة الخارجية الألمانية فقرة مستقلة تحت عنوان « القيود المؤقتة على إمدادات الكهرباء »، مؤكدة أن ارتفاع درجات الحرارة والضغط المتزايد على شبكة الكهرباء يدفع الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى تنفيذ انقطاعات مؤقتة، بعضها قد يحدث دون إعلان مسبق.

ولم تكتف برلين بالإشارة إلى انقطاع التيار، بل حذرت من تداعياته على الخدمات التي يحتاجها الزائر الأجنبي: توقف أجهزة التكييف والتهوئة، واضطراب شبكات الهاتف الجوال والإنترنت، وتأثر التزويد بالمياه، وحتى أجهزة الصراف الآلي والدفع بالبطاقات. كما نصحت المسافرين بالاستعلام من الفنادق ومنظمي الرحلات ووسائل الإعلام المحلية عن الوضع في مناطق إقامتهم.
من تحذير أمني إلى تحذير من الكهرباء
المفارقة هنا أن الكهرباء ظهرت في إرشادات السفر الألمانية إلى جانب الملفات التقليدية التي ارتبطت طويلًا بصورة المخاطر في تونس.
ففي الوثيقة نفسها، تحذر برلين من السفر إلى مناطق واسعة قرب الحدود الجزائرية، وإلى مناطق جبلية تشمل الشعانبي والسلوم والمغيلة، كما تنصح بتجنب الرحلات الصحراوية الفردية غير المنظمة.
وبذلك أصبح المسافر الألماني أمام صورة مركبة: إرهاب ومخاطر حدودية في بعض المناطق، وحرارة شديدة وضغط على شبكة الكهرباء واضطراب محتمل لبعض الخدمات في مناطق أخرى.
بريطانيا تضع الكهرباء أيضًا في إرشادات السفر
ولا تقف المسألة عند ألمانيا.
فالإرشادات البريطانية الخاصة بتونس، والمحدثة في 24 جويلية 2026 وما تزال سارية في 23 أوت، تتضمن بدورها فقرة صريحة حول إمدادات الكهرباء خلال أشهر الصيف. وتقول وزارة الخارجية البريطانية إن موجات الحر ودرجات الحرارة القصوى يمكن أن تزيد الضغط على شبكة الكهرباء، ما قد يدفع الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى تنفيذ انقطاعات مؤقتة.
واللافت أن لندن تحذر من التأثير المحتمل لهذه الانقطاعات على بعض الفنادق، إضافة إلى أجهزة التكييف وشبكات الهاتف المحمول والإنترنت، وفي الحالات القصوى على المياه وأجهزة الصراف الآلي والدفع الإلكتروني.
أي أن السائح البريطاني لا يُطلب منه فقط أن ينتبه إلى حقيبته وأمواله ووثائقه، بل أصبح مطالبًا أيضًا بأن يسأل الفندق: ماذا يحدث إذا انقطعت الكهرباء؟
لجيكا: انقطاع الكهرباء قد يؤثر حتى على المياه والدفع الإلكتروني
وتحذر وزارة الخارجية البلجيكية المسافرين إلى تونس، ضمن فقرة بعنوان (الإمدادات الكهربائية في الصيف)، من أن موجات الحر ودرجات الحرارة القصوى خلال الصيف يمكن أن تزيد الضغط على شبكة الكهرباء، ما قد يدفع الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى تنفيذ قطوعات مؤقتة للتيار الكهربائي.
وتوضح الخارجية البلجيكية أن هذه الاضطرابات يمكن أن تؤثر مباشرة على البنية التحتية في البلاد، بما في ذلك بعض الفنادق، كما يمكن أن تؤدي مؤقتًا إلى تعطل أو اضطراب أجهزة التكييف وشبكات الهاتف المحمول واتصالات الإنترنت.
ولا يتوقف التحذير عند هذا الحد، إذ تشير الخارجية البلجيكية إلى أنه في الحالات القصوى، يمكن أن تمتد آثار انقطاع الكهرباء إلى توزيع المياه ومعاملات الدفع، بما في ذلك أجهزة الصراف الآلي والدفع بالبطاقات.
وتؤكد الخارجية أن هذه الاضطرابات تكون عادة مؤقتة، وتنصح المسافرين بالاستعلام من وكالات الأسفار أو أماكن الإقامة أو وسائل الإعلام المحلية عن أي قيود محتملة في المنطقة التي يوجدون فيها.

وسويسرا؟ تحذير أمني مختلف
أما سويسرا، فالإرشادات التي نشرتها وزارة الخارجية الفدرالية بشأن تونس تركز بصورة خاصة على الإرهاب والاختطاف والمخاطر الإقليمية، ولا تظهر في النسخة الرسمية التي أمكن التحقق منها صياغة مماثلة للتحذير الألماني والبريطاني بشأن انقطاعات الكهرباء.
فالتحذير السويسري يشدد على أن الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في تونس متوتر، وأن الاحتجاجات والإضرابات قد تؤدي إلى اضطرابات في النقل ونقص في الوقود، كما يحذر من مخاطر الإرهاب والاختطاف، خصوصًا في مناطق حدودية مع الجزائر وليبيا.
وبالتالي، فإن ألمانيا وبريطانيا هما المثالان الأوضح حاليًا في مسألة الكهرباء، بينما تضيف سويسرا إلى الصورة الأوروبية تحذيراتها الأمنية المتعلقة بالحدود والإرهاب والاختطاف.
الحدود الجزائرية والليبية.. الخطر التقليدي لم يختف
ورغم بروز الكهرباء كعامل جديد في إرشادات السفر، فإن المخاطر الأمنية التقليدية ما تزال في صدارة التحذيرات.
بريطانيا، مثلًا، تحذر من السفر إلى مناطق محددة على الحدود مع الجزائر بسبب النشاط الإرهابي العابر للحدود وعمليات القوات الأمنية التونسية، كما تحذر من مناطق واسعة قرب الحدود الليبية بسبب النشاط الإرهابي العابر للحدود والقتال في ليبيا.
أما ألمانيا فتحذر بدورها من مناطق تقع قرب الحدود الجزائرية ومن جبال الشعانبي والسلوم والمغيلة، كما توصي بتجنب مناطق جنوبية وصحراوية واسعة ورحلات الصحراء الفردية غير المنظمة.
وهكذا، فإن الإرهاب والاختطاف والمناطق العسكرية والحدود المضطربة ما تزال تمثل الخطر الأمني التقليدي، لكن الكهرباء دخلت إلى جانبها من باب مختلف تمامًا.
لماذا أصبحت الكهرباء مشكلة سياحية؟
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكن الإجابة تكشف حجم التحول.
في بلد تصل فيه درجات الحرارة خلال موجات الحر إلى مستويات مرتفعة جدًا، يصبح انقطاع الكهرباء أكثر من مجرد غياب للإنارة.
انقطاع الكهرباء يعني في الصيف انقطاع التكييف.
وقد يعني أيضًا توقف بعض أنظمة المياه، واضطراب الإنترنت والاتصالات، وتعطل أجهزة الدفع والصراف الآلي، ومشاكل في المطاعم والمخازن والتجهيزات التي تحتاج إلى التبريد.
وهذا تحديدًا ما يجعل الموضوع حساسًا بالنسبة إلى القطاع السياحي.
فتونس لا تبيع للسائح البحر والشمس فقط، وإنما تبيع أيضًا الإقامة المريحة والخدمات والتكييف والاتصال بالإنترنت والمطاعم والنقل والدفع الإلكتروني.
وعندما تنقطع الكهرباء، يمكن أن تتأثر هذه المنظومة بأكملها.
الصيف كشف هشاشة الشبكة
ولم تعد المسألة نظرية.
ففي صيف 2026، تسببت موجات الحر القياسية في ضغط شديد على شبكة الكهرباء التونسية، مع ارتفاع الطلب على أجهزة التكييف والتبريد.
وتحدثت صحيفة لوموند في تحقيق نشرته في 3 أوت عن التأثير المباشر للانقطاعات المتكررة على مناطق سياحية في بنزرت، مشيرة إلى أن بعض الانقطاعات في المنطقة استمرت أكثر من 24 ساعة، وأن تداعياتها امتدت إلى المياه والاتصالات والنشاط الاقتصادي.
وبالنسبة إلى أصحاب النزل ودور الضيافة والمطاعم، لم يعد الأمر يتعلق فقط بإضاءة تنطفئ لساعات، وإنما بضرورة تشغيل مولدات كهربائية، وحماية المواد الغذائية، والحفاظ على التكييف، ومحاولة تقديم الحد الأدنى من الخدمات للسياح.
حين تتحول أزمة داخلية إلى صورة خارجية
هنا تحديدًا تكمن القصة.
فانقطاع الكهرباء كان في السابق يُناقش في تونس باعتباره مشكلة مرتبطة بالبنية التحتية والطاقة والطلب المتزايد خلال الصيف.
أما عندما يدخل الموضوع إلى إرشادات السفر الرسمية لحكومات أجنبية، فإنه يتحول إلى مسألة أخرى: مسألة تتعلق بصورة البلد وقدرته على ضمان الظروف الأساسية للزائر.
وهذا لا يعني أن ألمانيا أو بريطانيا تعتبران تونس وجهة لا تصلح للسفر.
بل على العكس، إرشادات السفر تقدم تقييمًا للمخاطر وتحدد مناطق بعينها ينبغي تجنبها أو الحذر فيها. لكن مجرد تخصيص بند للكهرباء يكشف أن جودة الخدمات الأساسية أصبحت جزءًا من حسابات السفر إلى تونس.
والسؤال الذي سيطرح نفسه على السائح
تونس تنافس في سوق سياحية شديدة التنافسية، والسائح الأوروبي لديه خيارات كثيرة في المتوسط.
وقد يتقبل السائح تحذيرًا من منطقة حدودية لا ينوي زيارتها أصلًا، وقد يتجنب منطقة جبلية مصنفة عالية المخاطر.
لكن ماذا لو كان التحذير متعلقًا بالفندق الذي سيدفع فيه مئات أو آلاف اليوروهات؟
ماذا لو كانت درجة الحرارة تقترب من 45 أو 47 درجة، ثم انقطع التكييف؟
ماذا لو انقطع الإنترنت أو تعطلت أجهزة الدفع؟
وماذا لو أدى انقطاع الكهرباء إلى اضطراب المياه أو الخدمات الأساسية؟
ليست المشكلة في الظلام وحده
ربما يكون أخطر ما في هذه القصة أن الانقطاع نفسه ليس هو المشكلة الوحيدة.
المشكلة هي سلسلة التداعيات التي يمكن أن تبدأ بانقطاع الكهرباء:
الكهرباء تنقطع، فيتوقف التكييف، ويتأثر الإنترنت، وتتعطل بعض أنظمة الدفع، وقد تتأثر المياه، وتتعطل معدات التبريد، وتضطر المؤسسات إلى تشغيل مولدات مكلفة ومزعجة.
وهذه السلسلة هي التي دفعت السلطات الأجنبية إلى إدراج الكهرباء في إرشادات السفر.
تونس أمام معادلة جديدة
لطالما ارتبطت تحذيرات السفر الخاصة بتونس بثلاث كلمات تقريبًا: الإرهاب، الجريمة، والحدود.
أما اليوم، فقد بدأت تظهر كلمات أخرى: الحرارة، الكهرباء، المياه، والاضطرابات المحتملة في الخدمات.
وهذه ليست بالضرورة إدانة لتونس، لكنها بالتأكيد إشارة تستحق التوقف عندها.
فالقطاع السياحي لا يعيش فقط على عدد الوافدين، وإنما أيضًا على قدرتهم على العودة والتوصية بالوجهة ونقل تجربة إيجابية عنها.
ومن هنا، قد تكون المعركة المقبلة لتونس ليست فقط في جذب السائح إلى البلاد، بل في ضمان ألا يتحول ما يحدث خلال إقامته إلى سبب يجعله يقول بعد العودة:
«تونس جميلة.. لكن الكهرباء انقطعت، والماء انقطع، والتكييف توقف».
وهنا تصبح أزمة الكهرباء، التي بدأت كمشكلة داخلية، جزءًا من صورة تونس التي يراها العالم الخارجي.