الرئيسيةآخر الأخبارحملة «ترمي تخلّص».. هل حان وقت تحويل نظافة الفضاء العام في تونس...

حملة «ترمي تخلّص».. هل حان وقت تحويل نظافة الفضاء العام في تونس إلى قضية وطنية؟

لم تعد صورة النفايات المتراكمة في الشوارع وعلى الأرصفة والشواطئ مشهداً عابراً في تونس، بل تحولت إلى واحدة من أكثر الظواهر التي تؤثر في صورة المدن التونسية وفي الحياة اليومية للمواطنين، خصوصاً خلال فصل الصيف، عندما تتحول الشواطئ والحدائق والفضاءات العامة إلى وجهة لآلاف المواطنين والزوار.

وفي هذا السياق، تبرز حملة «#ترمي_تخلص» برسالة بسيطة ومباشرة: لا تطلب من المواطن مالاً ولا جهداً استثنائياً، وإنما تطلب منه أن يغير سلوكاً يبدأ من لحظة إلقاء قارورة أو علبة أو كيس في الشارع.

فكرة الحملة تقوم على تحويل النظافة من مسؤولية البلديات وأعوان التنظيف وحدهم إلى سلوك جماعي ومسؤولية مشتركة، والدفع نحو جعل عبارة «ترمي تخلص» شعاراً يومياً يختصر قاعدة بسيطة: ما ترميه في الطريق العام أو على الشاطئ لا يختفي، بل يبقى هناك ويصبح عبئاً على المدينة والبيئة والمال العام.

تونس ليست بلا قوانين.. لكن أين الردع؟

المفارقة أن تونس تمتلك بالفعل نصوصاً قانونية تجرّم عدداً من مظاهر تلويث الأماكن العامة.

فالأمر الحكومي عدد 433 لسنة 2017 يفرض خطية قدرها 40 ديناراً على من يلقي أو يضع أو يترك فضلات الطعام أو أعقاب السجائر أو القوارير أو العلب أو الأوراق أو الأكياس وغيرها من الأشياء في الأماكن العمومية أو الخاصة.

وترتفع الخطية إلى 60 ديناراً في حالات من بينها تلويث الشواطئ أو مياه البحر.

لكن المشكلة لا تبدو في غياب النص القانوني فقط، وإنما في مدى تطبيقه على أرض الواقع.

فما قيمة خطية موجودة على الورق إذا كان المواطن الذي يرمي قارورة ماء أو علبة مشروب في الشارع يعلم أن احتمال ضبطه ومعاقبته يكاد يكون معدوماً؟

وهنا تحديداً تصبح حملة «ترمي تخلص» أكثر من مجرد حملة توعوية؛ إذ يمكن أن تتحول إلى مدخل لنقاش أوسع حول ثقافة احترام الفضاء العام وتطبيق القانون في الوقت نفسه.

ماذا يحدث في دول أخرى؟

المقارنة مع عدد من الدول تكشف أن التعامل مع رمي الفضلات في الأماكن العامة لا يقوم على حملات التوعية وحدها، بل على الجمع بين التوعية والرقابة والعقوبة الفعلية.

في فرنسا، يؤدي إلقاء النفايات في الطريق العام إلى خطية فورية قدرها 135 يورو، ويمكن أن ترتفع إلى 375 يورو عند التأخر في الدفع، كما يمكن أن تصل إلى 750 يورو بقرار قضائي، وتصل في حالات معينة إلى 1500 يورو مع إمكانية حجز المركبة إذا استُعملت في نقل النفايات والتخلص منها بصورة غير قانونية.

أما في إنجلترا، فتُعامل عملية رمي الفضلات باعتبارها مخالفة بيئية، ويمكن للسلطات المحلية إصدار خطايا فورية. وتحدد القواعد الحالية الخطية الافتراضية لرمي الفضلات في 100 جنيه إسترليني، بينما يمكن أن تصل الخطية إلى 500 جنيه إسترليني بحسب الحالة والسلطة المحلية، مع إمكانية إحالة المخالف إلى القضاء.

لكن المثال الأكثر شهرة يبقى سنغافورة.

هناك، لا تكتفي السلطات بفرض الخطايا، بل تعتمد أيضاً على أعمال التصحيح الإلزامية، حيث يمكن للمخالف أن يُلزم بتنظيف الأماكن العامة ضمن ما يعرف بأوامر العمل التصحيحي.

وفي الربع الأول من سنة 2026 وحده، أصدرت السلطات السنغافورية نحو 3 آلاف خطية بسبب إلقاء الفضلات في الأماكن العامة، كما صدرت أكثر من 150 أمراً بأعمال تصحيحية.

والأكثر دلالة أن السلطات السنغافورية أعلنت أن المخالفين المتكررين يمكن أن يواجهوا عقوبات أشد، وقد تصل الخطية القضائية في بعض حالات رمي الفضلات إلى 10 آلاف دولار سنغافوري بالنسبة إلى المخالفين المتكررين في حالات معينة، إلى جانب العمل التصحيحي.

المشكلة ليست في المواطن وحده

لكن تحويل «ترمي تخلص» إلى قضية وطنية لا يعني تحميل المواطن وحده مسؤولية أزمة النظافة.

فالدولة والبلديات مطالبة أيضاً بتوفير حاويات كافية، ونقاط تجميع واضحة، وخدمات رفع منتظمة، ومراقبة فعلية، وعقوبات قابلة للتطبيق.

وهذه النقطة كانت حاضرة أيضاً في مقترح قانون قدمه عدد من النواب في تونس سنة 2026، بهدف منع إلقاء النفايات في الفضاءات العامة وتشديد العقوبات، مع التأكيد على ضرورة توفير التجهيزات اللازمة، وخاصة الحاويات، إلى جانب التوعية والعقوبات وإمكانية اعتماد أعمال ذات منفعة عامة.

أي أن المعادلة التي تحتاجها تونس ليست:

«المواطن مذنب والدولة بريئة»

ولا:

«الدولة مسؤولة والمواطن بريء»

بل هي:

دولة توفر الخدمة + مواطن يحترم الفضاء العام + قانون يطبق على الجميع.

الشاطئ ليس سلة مهملات

ربما يكون الشاطئ الاختبار الأكثر وضوحاً لهذه المعادلة.

فبعد ساعات قليلة من انتهاء يوم صيفي، يمكن أن تختفي ملامح شاطئ بأكمله تحت القوارير البلاستيكية والأكياس وعلب المشروبات وبقايا الطعام.

المفارقة أن الشخص نفسه الذي يرفض دخول منزله وفيه نفايات، قد يغادر الشاطئ تاركاً خلفه ما يكفي لتلويث المكان الذي جاء إليه للاستمتاع به.

وهنا لا تعود القضية مجرد مسألة جمالية.

النفايات البلاستيكية تصل إلى البحر، وتتفتت مع الوقت إلى جزيئات أصغر، وتصبح جزءاً من مشكلة بيئية تتجاوز حدود الشاطئ والمدينة.

ولهذا فإن حماية الشواطئ لا يمكن أن تكون مهمة أعوان النظافة وحدهم.

«ترمي تخلص».. هل يمكن أن تصبح قاعدة وطنية؟

نجاح الحملة لن يقاس بعدد المنشورات التي تحمل الوسم، وإنما بما إذا كانت ستنجح في تحويل العبارة إلى سلوك اجتماعي راسخ.

أن يصبح المواطن نفسه من يقول لمن بجانبه:

«ما ترميش.. حطها في الحاوية.»

وأن يصبح تصوير المخالف والإبلاغ عنه جزءاً من ثقافة حماية الفضاء العام، بالتوازي مع قيام السلطات بدورها في المراقبة وتطبيق القانون.

ففي نهاية المطاف، لا يمكن لأي دولة أن تضع عون نظافة خلف كل مواطن، ولا يمكن لبلدية أن تنظف الشارع بعد كل شخص يرمي قارورة أو علبة.

لكن يمكن للدولة أن تجعل المخالفة مرئية وقابلة للعقاب، ويمكن للمجتمع أن يجعل احترام المكان قيمة اجتماعية.

تونس أمام اختبار بسيط

قد تبدو حملة «#ترمي_تخلص» بسيطة، لكنها تضع المجتمع أمام سؤال أكبر بكثير:

هل نريد مدناً وشواطئ نظيفة لأن الدولة تنظفها باستمرار، أم لأن المواطن أصبح يعتبر تلويثها أمراً غير مقبول؟

التجارب الدولية تقول إن النظافة لا تُبنى بالوعظ وحده، ولا بالعقوبة وحدها.

في فرنسا هناك خطايا تصل إلى مئات اليوروهات، وفي إنجلترا توجد خطايا فورية وإمكانية اللجوء إلى القضاء، وفي سنغافورة توجد الخطايا والعمل التصحيحي الإجباري.

أما في تونس، فإن التشريع يفرض حالياً 40 ديناراً لبعض مخالفات إلقاء الفضلات و60 ديناراً لبعض حالات تلويث الشواطئ، بينما يدور نقاش سياسي وتشريعي حول تشديد الردع.

لذلك ربما يكون الوقت قد حان لكي تتحول «ترمي تخلص» من مجرد وسم على مواقع التواصل الاجتماعي إلى حملة وطنية دائمة، تشارك فيها الدولة والبلديات والمدارس والجمعيات والمواطنون، ويكون عنوانها واضحاً:

الشارع ليس مزبلة.. والشاطئ ليس سلة مهملات.. ومن حق التونسي أن يعيش في فضاء نظيف، ومن واجبه أيضاً ألا يكون هو من يلوثه.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى