استثمارات صينية بمليارات الدراهم في المغرب تفتح معركة جديدة على سوق الملابس الأوروبية.. وتونس، التي تجاوزت صادراتها النسيجية 9 مليارات دينار، أمام اختبار حقيقي للحفاظ على موقعها
لم تعد المنافسة في قطاع النسيج والملابس في شمال إفريقيا تدور فقط بين تونس والمغرب، بل بدأت تأخذ شكلاً جديداً مع التدفق المتزايد للاستثمارات الصينية إلى القطاع المغربي.
فبعد إعلان مجموعة سنرايز الصينية في مارس 2025 عن استثمار بقيمة 725 مليون دينار تونسي لإقامة وحدتين صناعيتين في الصخيرات وفاس، يأتي الآن مشروع صيني آخر يحمل اسم المنطقة الصناعية للمنسوجات الخضراء شينغتاي المغرب باستثمار يمكن أن يصل إلى 915 مليون دينار تونسي .
المعطى الأهم في هذين المشروعين ليس قيمة الاستثمار وحدها، وإنما طبيعة الصناعة التي تراهن عليها الصين في المغرب: سلسلة متكاملة تبدأ من الغزل والنسيج ولا تنتهي عند الملابس الجاهزة.
وبالنسبة إلى تونس، التي بنت جزءاً مهماً من صناعتها التصديرية على القرب من السوق الأوروبية وسرعة تلبية طلبات العلامات العالمية، فإن التطور المغربي يستحق التوقف عنده.
مشروعان صينيان.. ومنافس جديد يتشكل
مشروع شِـنْغ تَـاي المقترح في المغرب لا يقتصر على صناعة الملابس، وإنما يشمل إنتاج الخيوط القطنية والأقمشة عالية الجودة، إلى جانب الملابس، مع مراحل تمتد من الغزل والنسيج إلى الصباغة والتجهيز.
وتتحدث المعطيات المعلنة عن طاقة إنتاجية سنوية تبلغ 100 ألف مغزل من الخيوط القطنية، و10,800 طن من الأقمشة المصبوغة والمجهزة، و15 مليون متر من الأقمشة المنسوجة، إضافة إلى 22 مليون قطعة ملابس.
كما يرتبط المشروع بإحداث آلاف الوظائف، وبإقامة وحدات صناعية في الصخيرات وفاس.
لكن اللافت أن هذا المشروع يأتي بعد مشروع سنرايز الصيني، الذي يستهدف هو الآخر بناء سلسلة نسيج متكاملة في المدينتين نفسيهما تقريباً.
وكان المغرب قد أعلن أن مشروع سنرايز، البالغ استثماره 2.3 مليار درهم، سيخلق 7 آلاف وظيفة مباشرة وأكثر من 1500 وظيفة غير مباشرة، كما سيعزز التزويد المحلي للشركات المغربية بالخيوط والأقمشة والملابس ويقلص آجال وكلفة اللوجستيك.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
المغرب لا يريد مجرد مصانع ملابس
ما يجري في المغرب يبدو أقرب إلى بناء منظومة صناعية للنسيج وليس مجرد استقطاب مصانع للخياطة.
فبدلاً من استيراد الخيوط والأقمشة ثم تصنيع الملابس وتصديرها، يجري تطوير حلقات متعددة داخل البلد نفسه.
وهذا يعني تقليص الاعتماد على الخارج، وتقليل كلفة النقل، وتسريع آجال التسليم.
وهي كلها عوامل شديدة الأهمية بالنسبة إلى الشركات الأوروبية التي تبحث عن الإنتاج بالقرب من أسواقها.
وبالنسبة للعلامة الأوروبية، فإن وجود مورد قادر على توفير القماش والملابس ضمن سلسلة واحدة يمكن أن يمثل ميزة تنافسية كبيرة.
أين توجد تونس في هذه المعادلة؟
المفارقة أن تونس تدخل هذه المنافسة وهي ليست دولة هامشية في صناعة النسيج الأوروبية.
فوفق بيانات وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي، صدّرت تونس خلال 2024 نحو 9.7 مليون قطعة من ملابس العمل إلى السوق الأوروبية بقيمة 317.7 مليون يورو، واستحوذت على 17.44% من واردات الاتحاد الأوروبي من هذا النوع من الملابس، لتصبح المورد الأوروبي الأول في ملابس العمل. كما احتلت المرتبة الرابعة في توريد سراويل الجينز إلى الاتحاد الأوروبي بحصة بلغت 8.21%.
والأهم أن قطاع النسيج والملابس التونسي واصل تحقيق نتائج قوية، إذ تجاوزت صادراته 9 مليارات دينار خلال سنة 2025، وفق بيانات نقلتها وكالة تونس إفريقيا للأنباء.
إذن، تونس لا تدخل المعركة من موقع ضعيف.
لكن السؤال هو: هل تستطيع الحفاظ على موقعها عندما يبدأ منافس إقليمي في بناء قاعدة صناعية صينية متكاملة؟
الخطر ليس في الصين وحدها
الحديث عن « منافسة صينية » قد يكون مضللاً إذا اختزل المسألة في انخفاض كلفة الإنتاج.
المسألة أكثر تعقيداً.
الصين توفر رأس المال والتكنولوجيا والخبرة الصناعية وشبكات التوريد العالمية، بينما يوفر المغرب موقعاً جغرافياً قريباً من أوروبا وقاعدة صناعية واتفاقيات تجارية وبنية لوجستية.
وبذلك يمكن أن يصبح المغرب بالنسبة إلى الشركات الصينية منصة إنتاج وتصدير قريبة من السوق الأوروبية.
وهذه النقطة هي التي ينبغي أن تثير اهتمام تونس.
فالمنافسة القادمة قد لا تكون بين مصنع تونسي ومصنع مغربي، وإنما بين منظومتين صناعيتين.
من « الخياطة للغير » إلى سلسلة القيمة
أمام تونس خيار يبدو أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل تستمر في الاعتماد بدرجة كبيرة على نموذج التصنيع لفائدة العلامات الأجنبية، أم تعمل على تطوير حضور أكبر في المراحل السابقة من سلسلة الإنتاج؟
فالمعركة المستقبلية لن تكون فقط حول عدد القمصان أو السراويل التي يمكن إنتاجها.
بل حول من يستطيع توفير:
الخيط، القماش، الصباغة، التجهيز، التصميم، التصنيع، التغليف والتسليم السريع.
كلما كانت هذه المراحل أقرب إلى بعضها، انخفضت الكلفة واختصر الوقت.
وهذا بالضبط ما يحاول المغرب تحقيقه من خلال الاستثمارات الصينية الجديدة.
أوروبا.. السوق التي تجمع تونس والمغرب
هناك عنصر آخر يجعل المنافسة أكثر حساسية بالنسبة إلى تونس.
الاتحاد الأوروبي يمثل الشريك التجاري الأكبر لتونس، وقد استقبل 73.2% من الصادرات التونسية خلال 2025.
أي أن أي تغيير في خريطة سلاسل التوريد الأوروبية يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على الصناعة التونسية.
وفي المقابل، فإن أحد أبرز عناصر القوة التونسية يتمثل في القرب من أوروبا وسرعة الإنتاج والتسليم، وهي ميزة تختلف عن نموذج الإنتاج الآسيوي البعيد.
لكن المغرب أصبح قادراً، بفضل الاستثمارات الصناعية الجديدة، على تقديم جزء من المزايا نفسها.
وهنا قد تبدأ المنافسة الحقيقية.
هل يمكن أن تخسر تونس؟
ليس من الممكن القول إن تونس ستخسر تلقائياً أمام المغرب.
بل إن الواقع الحالي يقول العكس: الصناعة التونسية ما زالت قوية، وصادراتها مرتفعة، ولديها خبرة متراكمة وعلاقات طويلة مع الشركات والعلامات الأوروبية.
لكن الخطر يكمن في السنوات المقبلة.
فإذا نجح المغرب في تحويل الاستثمارات الصينية إلى منظومة متكاملة، ونجحت هذه المصانع في الوصول إلى الإنتاج بكميات كبيرة وبكلفة تنافسية، فقد تبدأ الشركات الأوروبية في إعادة توزيع جزء من طلباتها بين تونس والمغرب.
وفي هذه الحالة، لن يكون العامل الحاسم هو الأجور فقط.
سيكون الحاسم هو سرعة التسليم، جودة الإنتاج، توفر المواد الأولية، القدرة على إنتاج كميات صغيرة ومتوسطة بسرعة، والمرونة أمام تغيرات الموضة والطلب.
المفارقة: تونس تملك فرصة أيضاً
المنافسة المغربية لا تعني بالضرورة أن تونس أمام طريق مسدود.
على العكس، قد تكون هذه الاستثمارات بمثابة إنذار يدفع تونس إلى استغلال نقاط قوتها.
فوكالة النهوض بالاستثمار الخارجي تضع ضمن أهداف استراتيجية القطاع التونسي الوصول إلى مراتب متقدمة بين مصدري النسيج والملابس إلى الاتحاد الأوروبي، مع التركيز على التكامل و »صنع في تونس » والتكوين والبنية التحتية وتحسين مناخ الأعمال.
كما أن تونس لديها مجالات يمكن أن تعزز فيها موقعها، من بينها ملابس العمل، والجينز، والملابس التقنية، والإنتاج ذي القيمة المضافة العالية.
وهذا قد يكون أكثر فاعلية من محاولة الدخول في حرب أسعار مع مصانع صينية ضخمة.
السؤال الذي يجب أن تطرحه تونس الآن
المسألة في النهاية ليست: هل ينافس المغرب تونس؟
بل:
هل ستكتفي تونس بالحفاظ على موقعها الحالي، أم ستعمل على تطويره قبل أن يفرض المنافسون الجدد قواعد اللعبة؟
فالصين لا تدخل المغرب بمصنع واحد.
مشروع سونرايز جاء باستثمار ضخم، ثم تبعه مشروع شِـنْغ تَـاي باستثمار آخر يصل إلى 2.29 مليار درهم، وكلاهما يركز على تطوير سلسلة إنتاج متكاملة.
وهذا يعني أن المغرب يرسل إشارة واضحة إلى المستثمرين والعلامات العالمية:
هنا يمكنكم الحصول على الخيط والقماش والملابس في قاعدة إنتاج واحدة وقريبة من أوروبا.
أما تونس، التي تجاوزت صادرات قطاعها 9 مليارات دينار في 2025، فلا تزال تملك ورقة قوية في هذه المعركة.
لكن عليها أن تجيب سريعاً عن سؤال قد يصبح أكثر إلحاحاً خلال السنوات القادمة:
إذا كان المغرب يبني اليوم « مصنع المستقبل » للنسيج بالشراكة مع الصين، فماذا تبني تونس لمواجهة منافسة الغد؟
