الرئيسيةآخر الأخبارالاستثمار الأجنبي في تونس والمغرب والجزائر ... الأرقام تكشف الفارق الكبير

الاستثمار الأجنبي في تونس والمغرب والجزائر … الأرقام تكشف الفارق الكبير

تكشف أحدث بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية عن تفاوت واضح في قدرة دول المغرب العربي على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إذ تصدر المغرب المنطقة بفارق كبير عن الجزائر وتونس خلال عام 2025.

وبحسب تقرير الاستثمار العالمي 2026 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو 3.338 مليارات دولار في المغرب خلال عام 2025، مقابل حوالي 1.53 مليار دولار في الجزائر و1.173 مليار دولار في تونس.

وبذلك جذب المغرب في عام واحد استثمارات أجنبية تعادل نحو 2.8 مرة ما استقطبته تونس، بينما تجاوزت الاستثمارات الأجنبية في الجزائر نظيرتها في تونس بنحو 357 مليون دولار.

تونس تتحسن.. لكنها لا تزال خلف المغرب والجزائر

ورغم هذا الفارق، فإن الصورة بالنسبة إلى تونس ليست سلبية بالكامل.

فبيانات السلطات التونسية تشير إلى أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة بلغت خلال عام 2025 نحو 3.506 مليارات دينار، مسجلة زيادة بنسبة 30.1% مقارنة بعام 2024. كما أعلنت وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي أن إجمالي الاستثمارات الدولية اقترب من 3.572 مليارات دينار عند احتساب استثمارات المحفظة أيضا.

وتشير بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى تونس بلغت 936 مليون دولار في 2024، بزيادة قدرها 21%، قبل أن ترتفع إلى نحو 1.173 مليار دولار في 2025.

وهذا يعني أن تونس سجلت بالفعل نموا مهما في تدفقات الاستثمار، لكنها لم تتمكن حتى الآن من الاقتراب من مستويات المغرب.

لماذا يسبق المغرب تونس بفارق كبير؟

الفرق لا يتعلق فقط بحجم الأموال التي تدخل البلد، وإنما أيضا بنوعية الاستثمارات والقطاعات التي تستقطبها.

فالمغرب نجح خلال السنوات الماضية في بناء منظومة صناعية مرتبطة بسلاسل الإنتاج العالمية، خصوصا في صناعة السيارات والطيران ومكونات السيارات والطاقات المتجددة والصناعات المرتبطة بالبطاريات، إضافة إلى البنية اللوجستية الكبرى التي يوفرها ميناء طنجة المتوسط.

وهذا النوع من الاستثمار لا يقتصر على ضخ الأموال، بل يربط الاقتصاد المحلي بشبكات الإنتاج العالمية ويخلق أسواقا للتصدير وفرصا لنقل التكنولوجيا والخبرات.

ويشير تقرير الاستثمار العالمي 2026 إلى أن الاستثمار العالمي أصبح أكثر تركّزا في القطاعات الاستراتيجية وكثيفة التكنولوجيا ورأس المال، وأن قيمة مشاريع الاستثمار الجديدة في القطاعات الاستراتيجية ارتفعت بقوة خلال السنوات الأخيرة.

الجزائر تتقدم أيضا على تونس

أما الجزائر، فقد جذبت نحو 1.53 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في 2025، متقدمة على تونس.

ويظل الاقتصاد الجزائري أكثر ارتباطا بقطاع المحروقات، وهو عامل يفسر جانبا من طبيعة الاستثمارات الأجنبية في البلاد، في حين تسعى الجزائر أيضا إلى تنويع اقتصادها وجذب استثمارات في قطاعات الصناعة والطاقة والمناجم والبنية التحتية.

وبالتالي فإن الفارق بين تونس والجزائر لا يتعلق فقط بحجم التدفقات، وإنما أيضا بتركيبة الاستثمار ومصادره والقطاعات التي يستهدفها.

تونس لديها نقطة قوة مهمة

لكن تونس لا تبدأ من الصفر.

فبيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية تظهر أن الصناعات التحويلية تمثل مكونا أساسيا من الاستثمار الأجنبي في تونس، كما شهدت البلاد خلال 2024 ارتفاعا مهما في قيمة مشاريع الاستثمار الجديدة.

وكان تقرير الاستثمار العالمي 2025 قد أشار إلى أن تونس ساهمت بقوة في ارتفاع قيمة مشاريع الاستثمار الجديدة المعلنة في شمال إفريقيا، مع تسجيل إعلانات لمشاريع جديدة بقيمة وصلت إلى نحو 13 مليار دولار في 2024، بعد أن كانت قريبة من الصفر في 2023.

لكن يجب الحذر في قراءة هذا الرقم، لأن قيمة المشاريع المعلنة ليست هي نفسها قيمة الاستثمارات الأجنبية التي دخلت فعليا إلى البلاد.

وهنا تكمن إحدى أهم المفارقات في الحالة التونسية: توجد مشاريع واستثمارات صناعية مهمة، لكن تحويل هذه المشاريع إلى تدفقات مالية فعلية وإلى موجة واسعة من الاستثمارات الجديدة لا يزال يمثل تحديا.

المغرب يضاعف تونس.. والأرقام تطرح السؤال

إذا كانت تونس قد جذبت نحو 1.17 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في 2025، فإن المغرب استقطب حوالي 3.34 مليارات دولار.

أي أن الفارق بين البلدين تجاوز 2.16 مليار دولار في عام واحد.

وهذا الفارق يصبح أكثر دلالة عندما نضعه في سياق المنافسة على الاستثمارات الصناعية العالمية، خصوصا أن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية يؤكد أن الاستثمار الدولي أصبح أكثر انتقائية، وأن المستثمرين يتجهون بشكل متزايد نحو الاقتصادات القادرة على توفير البنية التحتية والطاقة واللوجستيات والأسواق وسلاسل التوريد المستقرة.

تونس أمام سؤال أكبر من حجم الاستثمارات

المسألة بالنسبة إلى تونس ليست فقط: كم من الأموال الأجنبية دخلت البلاد؟

السؤال الأهم هو: كم من هذه الاستثمارات يمثل مستثمرين جدد، وكم منها توسعة لمشاريع قائمة؟

وهنا تظهر أهمية نوعية الاستثمار وليس حجمه فقط.

فتونس تتمتع بموقع جغرافي قريب من أوروبا، وقطاع صناعي تصديري متطور نسبيا، ويد عاملة مؤهلة في عدد من الاختصاصات، إضافة إلى خبرة طويلة في الصناعات الموجهة إلى الأسواق الأوروبية.

لكن المنافسة الإقليمية أصبحت أقوى، والمغرب تمكن من بناء منظومة أكثر اتساعا لاستقطاب المشاريع الصناعية الكبرى، بينما تستفيد الجزائر من حجم سوقها ومواردها الطبيعية.

المفارقة التونسية

الأرقام إذن لا تقول إن تونس فقدت قدرتها على جذب الاستثمار الأجنبي.

على العكس، 2025 كان عاما أفضل بوضوح من 2024 بالنسبة إلى تونس، مع ارتفاع التدفقات إلى نحو 1.17 مليار دولار وفق بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية.

لكن الأرقام تقول شيئا آخر أكثر أهمية: تحسن تونس لا يزال أسرع في نسبة النمو منه في الحجم المطلق، ولذلك بقيت الفجوة بينها وبين المغرب والجزائر قائمة.

وفي وقت يجذب فيه المغرب قرابة ثلاثة أضعاف ما تجذبه تونس، وتتحرك الاستثمارات العالمية نحو الصناعات الاستراتيجية والتكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية، يصبح التحدي التونسي هو الانتقال من مجرد المحافظة على المستثمرين الموجودين إلى استقطاب موجة جديدة من الشركات العالمية والمشاريع الصناعية الكبرى.

فالمنافسة لم تعد فقط على المال الأجنبي، وإنما على المصانع، والتكنولوجيا، وسلاسل التوريد، والوظائف ذات القيمة المضافة، والأسواق التصديرية.

وهنا تحديدا ستحدد السنوات المقبلة ما إذا كان تحسن الاستثمار الأجنبي في تونس خلال 2025 يمثل بداية تحول حقيقي، أم مجرد انتعاش في تدفقات ما زالت، مقارنة بجيرانها، محدودة الحجم.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى