الرئيسيةآخر الأخبارالاستثمار في الأزمات.. عندما تتحول انقطاعات الكهرباء إلى سوق جديدة في تونس

الاستثمار في الأزمات.. عندما تتحول انقطاعات الكهرباء إلى سوق جديدة في تونس

لم تعد الأزمات مجرد لحظات صعبة يعيشها المواطن، بل أصبحت بالنسبة للبعض فرصاً تجارية جديدة. ومع تكرر انقطاعات التيار الكهربائي خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة والضغط الكبير على الشبكة، بدأ سوق جديد في الظهور في تونس: سوق حلول الطاقة البديلة المحمولة.

ففي الأيام الأخيرة، انتشرت إعلانات لبيع محطات طاقة محمولة تعمل ببطاريات الليثيوم ويمكن شحنها بالطاقة الشمسية، مع تقديمها كحل لمواجهة انقطاع الكهرباء. أحد هذه الأجهزة، المعروض بسعر يقارب 2490 ديناراً، يقدم على أنه قادر على توفير طاقة تصل إلى حوالي 1000 واط، ما جعله يثير اهتمام عدد من المواطنين الباحثين عن بديل سريع عند انقطاع التيار.

هذه الظاهرة تعكس قاعدة اقتصادية معروفة: كل أزمة تخلق سوقاً جديداً. فعندما تعجز المنظومة التقليدية عن تلبية حاجيات الناس بشكل مستقر، تظهر منتجات وخدمات تحاول سدّ الفراغ. وقد شهدت تونس خلال السنوات الأخيرة توسعاً في سوق المولدات الكهربائية الصغيرة، والبطاريات، وأنظمة الطاقة الشمسية، واليوم تنتقل المنافسة إلى محطات الطاقة المحمولة.

لكن قبل اعتبار هذه الأجهزة « صيداً ثميناً »، فإن الخبراء يدعون إلى ضرورة التدقيق في مواصفاتها، لأن الفارق كبير بين جهاز يساعد على تجاوز انقطاع قصير للكهرباء وبين حل قادر على تعويض الشبكة الوطنية.

فمحطات الطاقة المحمولة المزودة ببطاريات ليثيوم يمكن أن تكون مفيدة لتشغيل الأجهزة الأساسية مثل:

  • أجهزة الاتصال والهواتف.
  • أجهزة الراوتر والإنترنت.
  • المصابيح المنزلية.
  • الحواسيب والشاشات الصغيرة.
  • بعض الأجهزة ذات الاستهلاك المحدود.

لكنها لا تمثل بديلاً حقيقياً عن مولد كهربائي منزلي، خصوصاً بالنسبة للأجهزة ذات الاستهلاك المرتفع مثل مكيفات الهواء، سخانات المياه، أو الثلاجات الكبيرة التي تحتاج إلى قدرة وطاقة مخزنة أكبر بكثير.

ويبقى السؤال الأساسي عند شراء مثل هذه الأجهزة ليس السعر فقط، بل معرفة التفاصيل التقنية الحقيقية:

  • ما سعة البطارية بوحدة واط/ساعة وليس فقط قدرة التشغيل بالواط؟
  • ما نوع خلايا الليثيوم المستخدمة؟ فبطاريات  » لايف بي 4 تعتبر عادة أكثر أماناً وأطول عمراً.
  • ما مدة الضمان؟ وهل توجد صيانة وقطع غيار؟
  • هل الألواح الشمسية مشمولة في السعر أم تباع بشكل منفصل؟
  • هل قدرة 1000 واط حقيقية أم مجرد رقم تسويقي؟

لكن المفارقة الأكبر في المشهد التونسي أن المواطن الذي يبحث عن الاستقلال الطاقي يواجه أيضاً قيوداً تنظيمية تجعل الأمر أكثر تعقيداً.

ففي تونس، إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة يخضع لمنظومة مرتبطة بالشركة التونسية للكهرباء والغاز، حيث تم تطوير برامج الطاقة الشمسية المنزلية أساساً في إطار دعم إنتاج الكهرباء وضخ الفائض في الشبكة الوطنية. وهذا يعني أن المواطن الذي يركب ألواحاً شمسية فوق منزله لا يمتلك بالضرورة نظاماً مستقلاً يعمل تلقائياً عند انقطاع التيار.

بمعنى آخر، يمكن لمواطن أن يستثمر مبالغ كبيرة في تركيب ألواح شمسية على سطح منزله، لكن إذا انقطعت الكهرباء من شبكة الشركة التونسية للكهرباء والغاز خلال فترة إنتاج هذه الألواح، فقد ينقطع عنه التيار أيضاً، لأن النظام العادي المرتبط بالشبكة يتوقف لأسباب تقنية تتعلق بحماية الشبكة والعاملين عليها.

وهنا تظهر المفارقة: في الوقت الذي تدفع فيه الدولة نحو الانتقال الطاقي وتشجيع الطاقات المتجددة، يبحث المواطن عن حلول تسمح له باستخدام إنتاجه الخاص عند الحاجة، خصوصاً أثناء الأزمات والانقطاعات.

لذلك قد تكون المرحلة القادمة فرصة لظهور سوق حقيقية لحلول الاستقلال الطاقي المنزلي، مثل الأنظمة الشمسية المزودة ببطاريات تخزين، ومحطات الطاقة المحمولة، والحلول الهجينة. لكن نجاح هذا السوق يتطلب إطاراً تنظيمياً أوضح، ومراقبة أكبر للمواصفات والأسعار، حتى لا تتحول حاجة المواطنين إلى فرصة للاستغلال التجاري.

فالأزمة بالفعل تخلق فرصاً… لكن السؤال يبقى: هل ستتحول هذه الفرص إلى حلول حقيقية للمواطن، أم إلى سوق جديدة لبيع الأوهام؟

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى