الرئيسية آخر الأخبار من أحمد سعيداني إلى «أريكة فرويد».. كيف تحوّل الجدل السياسي إلى معركة...

من أحمد سعيداني إلى «أريكة فرويد».. كيف تحوّل الجدل السياسي إلى معركة حول علم النفس ومجلة الأحوال الشخصية؟

0
12
blank

لم يعد الجدل الذي أثارته مواقف النائب أحمد سعيداني مقتصرًا على مضمون تصريحاته أو على مدى انسجامها مع المرجعيات السياسية والاجتماعية المختلفة، بل أخذ منحى آخر أكثر حساسية، بعدما انتقل النقاش من نقد الأفكار إلى تفسير أصحابها نفسيًا، ومن مساءلة المواقف إلى البحث عن «البنية النفسية» التي تقف وراءها.

وفي أحدث فصول هذا الجدل، نشر الباحث عبيد الخليفي تدوينة انتقد فيها بشدة من دعا إلى تنقيح مجلة الأحوال الشخصية، مستخدمًا تعبيرًا ساخرًا في وصف صاحب هذا الموقف، قبل أن يستحضر تاريخ المجلة والظروف الفكرية والسياسية التي رافقت صياغتها.

وكتب الخليفي أن الذين وضعوا مجلة الأحوال الشخصية كانوا، في رأيه، «نخبة فكرية وفقهية وسياسية» وأن مراجعتها، إذا ما طُرحت، ينبغي أن تكون من مهمة نخبة مماثلة في تونس اليوم، قبل أن يختتم تدوينته بعبارة ساخرة حول «الكائنات البرمائية» ودعوتها إلى السباحة في مسبح البلفدير.

أما الوزير السابق لَزهر العكرمي، الذي أعاد نشر التدوينة، فقد ذهب في تعليقه إلى توسيع النقاش من مسألة مجلة الأحوال الشخصية إلى ما اعتبره ظاهرة اجتماعية وسياسية أوسع.

واستحضر العكرمي، في هذا السياق، مقولة القانون الاقتصادي المعروفة حول «العملة السيئة تطرد العملة الجيدة»، ليجري إسقاطها على المجتمع، معتبرًا أن سيادة «الغوغاء» وتولي «الجهلة» شؤون الناس يؤديان، بحسب تعبيره، إلى تراجع ثقافة العقل وصعود التفسير الديني الذي وصفه بالنكوصي.

ويعكس موقفا الخليفي والعكرمي بوضوح طبيعة الانقسام الذي بدأ يتشكل حول مسألة مجلة الأحوال الشخصية: هل نحن أمام نقاش قانوني واجتماعي مشروع حول نص تشريعي عمره عقود، أم أمام محاولة للعودة إلى الوراء وضرب أحد أبرز مكاسب الدولة التونسية الحديثة؟

لكن الجدل لم يتوقف هنا.

مناقشة الفكرة أم تحليل صاحبها؟

البداية الأبرز لهذا المسار كانت مع القراءات التي رافقت مواقف أحمد سعيداني، والتي تجاوز بعضها تقييم أفكاره إلى محاولة تفسيرها من منظور نفسي.

فقد ذهب عادل لطيفي إلى أن مواقف سعيداني لا ينبغي أن تُقرأ فقط من خلال التصنيفات السياسية التقليدية، مثل اليمين واليسار أو المحافظ والتقدمي، بل يمكن، حسب طرحه، النظر إليها من زاوية نفسية وسلوكية.

وتحدث لطيفي عن أنماط وصفها بأنها ذات صلة بالتسلط والإسقاط وتمجيد القوة والهروب من مواجهة الذات، وربط بعضها بالمواقف من المرأة، كما وضع هذه القراءة ضمن إطار أوسع لما اعتبره ملامح مرتبطة بالمنظومة السياسية التي يمثلها قيس سعيد.

لكن هذا النوع من التحليل واجه اعتراضات، حتى من أشخاص لا يدافعون بالضرورة عن سعيداني أو عن مواقفه.

فقد رأى بعض المتابعين أن الانتقال من تصريحات تلفزية أو منشورات على شبكات التواصل الاجتماعي إلى بناء «بروفايل نفسي» متكامل لشخصية سياسية هو قفز فوق المنهج العلمي، معتبرين أن التشخيص النفسي ليس مهمة المعلق السياسي ولا الصحفي ولا الناشط على وسائل التواصل الاجتماعي.

وهنا يبرز السؤال الأساسي:

هل نناقش ما يقوله السياسي، أم نبحث عن تفسير نفسي لسبب قوله؟

«أريكة فرويد» تدخل البرلمان

هذا التحول في طبيعة النقاش انعكس أيضًا في التعليقات الساخرة.

فقد كتب أحد المتابعين بالفرنسية:

«Toute l’assemblée devrait passer par le canapé de Freud»

أي إن «مجلس النواب بأكمله ينبغي أن يمر عبر أريكة فرويد».

ورغم الطابع الساخر للعبارة، فإنها تلخص جانبًا مهمًا من الجدل: عندما يصبح الخلاف السياسي مدخلًا للحديث عن «العقد» و«الاضطرابات» و«البنى النفسية»، فإن النقاش قد يبتعد تدريجيًا عن مضمون الأفكار ويتحول إلى تقييم الأشخاص.

وهنا ينبغي التفريق بين أمرين مختلفين تمامًا: تحليل السلوك السياسي، وهو مجال مشروع في علم النفس السياسي والعلوم الاجتماعية، وبين تشخيص شخص بعينه من خلال تصريح أو مقابلة أو منشور، وهو أمر لا يمكن الجزم به من دون أدوات علمية ومهنية مناسبة.

مجلة الأحوال الشخصية… من النص المقدس إلى موضوع للنقاش؟

في المقابل، تكشف التعليقات حول سعيداني أن هناك مسألة اجتماعية حقيقية تختبئ خلف الصراع السياسي.

فعدد من المتابعين لم يناقشوا سعيداني كشخص، وإنما عادوا إلى السؤال الأصلي: هل تحتاج مجلة الأحوال الشخصية إلى مراجعة؟

هناك من يرى أن المجلة تمثل أحد أهم مكاسب الدولة التونسية الحديثة وأن أي حديث عن مراجعتها يجب أن يكون شديد الحذر، حتى لا يتحول إلى مدخل للمساس بحقوق المرأة.

وفي المقابل، يرى آخرون أن مرور عقود طويلة على صدورها، والتغيرات التي عرفها المجتمع التونسي، تجعل من حق المجتمع أن يناقش بعض أحكامها، كما يناقش أي تشريع آخر.

وهذا لا يعني بالضرورة الدعوة إلى إلغاء المجلة أو ضرب حقوق المرأة، بل يمكن أن يعني ببساطة طرح سؤال قانوني مشروع:

هل ما تزال جميع أحكام مجلة الأحوال الشخصية تستجيب للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفتها تونس؟

المرأة والطلاق والأسرة

جزء آخر من النقاش ركز على وضع المرأة بعد الطلاق، وعلى ما يعتبره البعض ثغرات أو اختلالات في حماية المرأة التي لا تكون حاضنة للأطفال.

وهنا اتسعت المسألة لتشمل الملكية، والنفقة، والسكن، والحضانة، والمساهمة الاقتصادية داخل الأسرة، وتقاسم الثروة التي تتكون أثناء الحياة الزوجية.

وبالتالي، فإن النقاش لم يعد مجرد معركة بين «محافظين» و«تقدميين»، وإنما أصبح مرتبطًا بأسئلة أكثر تعقيدًا:

هل تحقق المنظومة القانونية الحالية العدالة بين الزوجين؟

هل تأخذ بما يكفي بعين الاعتبار المساهمة غير المباشرة في تكوين الثروة الأسرية؟

وهل تغيرت الأسرة التونسية بما يكفي لجعل بعض أحكام القانون بحاجة إلى مراجعة؟

هل القانون مسؤول عن عزوف التونسيين عن الزواج؟

ذهب بعض المشاركين في النقاش إلى ربط مجلة الأحوال الشخصية بتراجع الزواج والخصوبة وتغير البنية الديموغرافية في تونس، بل ظهرت أرقام وتوصيفات حول ارتفاع أعداد غير المتزوجين.

لكن هنا أيضًا تبرز ضرورة الحذر من التفسيرات الأحادية.

فالعزوف عن الزواج وتأخر سنه لا يمكن اختزالهما في قانون واحد. هناك عوامل اقتصادية واجتماعية عديدة، بينها ارتفاع كلفة السكن، والبطالة، وتغير سوق العمل، والهجرة، وتغير تطلعات الشباب، وارتفاع تكاليف الزواج، والتحولات في أنماط الحياة.

وبالتالي، فإن تحميل مجلة الأحوال الشخصية وحدها مسؤولية التحولات الديموغرافية سيكون تبسيطًا لمسألة شديدة التعقيد.

المفارقة: حتى منتقدو سعيداني يختلفون حول طريقة انتقاده

المثير في هذا الجدل أن بعض الذين ينتقدون سعيداني سياسيًا لا يوافقون بالضرورة على الطريقة التي تتم بها مهاجمته.

فهناك من يرى أن تحويل كل تصريح له إلى قضية كبرى يمنحه مزيدًا من الحضور الإعلامي، بينما يرى آخرون أن مواقفه تستحق النقاش لأنها تكشف، في نظرهم، عن تيارات وأفكار موجودة فعلًا داخل المجتمع.

وبذلك تشكلت ثلاثة اتجاهات واضحة:

اتجاه يريد تفسير سعيداني نفسيًا، واتجاه يرفض هذا الأسلوب ويدعو إلى الاقتصار على نقد أفكاره، واتجاه ثالث يريد تجاوز سعيداني نفسه لمناقشة القضايا التي أثارتها تصريحاته، وفي مقدمتها الأسرة والمرأة ومجلة الأحوال الشخصية.

سعيداني ليس القضية الوحيدة

ربما تكمن أهمية هذا الجدل في أنه كشف أن أحمد سعيداني لم يعد هو الموضوع الوحيد.

فالنقاش بدأ بسؤال:

ماذا قال سعيداني؟

ثم انتقل إلى:

لماذا قال ذلك؟

ثم إلى:

ما الذي يكشفه ذلك عن شخصيته؟

ثم اتسع ليصل إلى:

ما الذي يحدث للأسرة التونسية؟ وهل تحتاج مجلة الأحوال الشخصية إلى مراجعة؟

وهنا يصبح الجدل أكبر من شخص النائب نفسه.

فالمجتمع التونسي يعيش منذ سنوات تحولات عميقة في الزواج والطلاق والإنجاب والهجرة والعلاقات داخل الأسرة، بالتوازي مع تحولات اقتصادية وثقافية وديموغرافية لا يمكن تجاهلها.

لذلك فإن النقاش حول مجلة الأحوال الشخصية يمكن أن يكون مشروعًا ومفيدًا، لكن بشرط أن يكون نقاشًا قانونيًا واجتماعيًا هادئًا، لا معركة لتبادل الاتهامات والتخوين والتصنيفات.

أما تحويل الخصومة السياسية إلى تشخيص نفسي، فيحمل خطرًا آخر: أن يصبح الشخص هو القضية، بينما تختفي الفكرة التي يفترض أن تكون موضوع النقاش.

وفي النهاية، قد يكون السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم ليس:

هل أحمد سعيداني رجعي أم تقدمي؟

ولا:

هل خصومه يحتاجون إلى «أريكة فرويد»؟

بل:

هل تستطيع تونس أن تفتح نقاشًا جديًا حول مستقبل الأسرة ومجلة الأحوال الشخصية، من دون أن يتحول كل اختلاف إلى معركة أيديولوجية أو تشخيص نفسي؟

فالقوانين ليست نصوصًا فوق النقاش، كما أن مراجعتها لا تعني بالضرورة هدمها. والأفكار يمكن نقدها ورفضها والدفاع عنها، لكن ذلك ينبغي أن يتم بالحجة والمعطيات، لا بتحويل صاحب الفكرة إلى موضوع للتشخيص.

وفي هذه النقطة تحديدًا، يبدو أن الجدل حول سعيداني قد فتح، من حيث أراد أو لم يرد، بابًا أوسع بكثير من شخصه: باب السؤال المؤجل حول شكل الأسرة التونسية التي يريدها المجتمع، والقوانين التي ينبغي أن تنظمها، ومن يملك حق صياغة مستقبلها.