الرئيسيةآخر الأخبارالجزائريون والليبيون يتراجعون.. هل تغيّرت خريطة السياحة في تونس؟

الجزائريون والليبيون يتراجعون.. هل تغيّرت خريطة السياحة في تونس؟

لم يكن أوت 2026 شهراً عادياً بالنسبة إلى السياحة التونسية. فبينما ارتفعت الطاقة الفندقية المستغلة وواصلت السوق الأوروبية تسجيل نمو إجمالي، فقدت تونس في شهر واحد جزءاً مهماً من زوارها القادمين من الجزائر وليبيا، في تراجع بلغ 32.9 بالمائة بالنسبة إلى الجزائريين و16.3 بالمائة بالنسبة إلى الليبيين.

هذا التراجع لم يبقَ محصوراً في أرقام الوافدين، بل انتقل سريعاً إلى النزل، حيث فقدت المؤسسات السياحية أكثر من 500 ألف ليلة مقارنة بأوت 2025، وانخفض معدل الإشغال من 82.6 إلى 72 بالمائة.

وتكشف الأرقام الرسمية أن الانخفاض الإجمالي في عدد الوافدين بلغ 13.6 بالمائة خلال أوت، في وقت ارتفع فيه عدد الوافدين الأوروبيين بنسبة 3.7 بالمائة. وهو ما يجعل صورة الموسم أكثر تعقيداً: السياحة الأوروبية تصمد، بينما يتعرض أحد أهم محركات السياحة البرية نحو تونس، أي السوقان الجزائرية والليبية، لضربة قوية بفعل متغيرات اقتصادية وإجراءات جديدة في البلدين.

وتؤكد تفاصيل الأرقام أن الأمر لا يتعلق بتراجع عام في الطلب على تونس. فالسوق الأوروبية، التي تمثل أحد أهم روافد القطاع السياحي، حافظت في مجملها على منحاها الإيجابي، رغم تسجيل عدد من الأسواق الأوروبية نتائج سلبية.

فقد تراجع عدد الوافدين من بولونيا بنحو 20 بالمائة، ومن سويسرا بنسبة 14 بالمائة، ومن بلجيكا بنسبة 16.8 بالمائة، كما سجلت تونس انخفاضاً في أعداد القادمين من عدد من الأسواق الأخرى، من بينها الدول الاسكندنافية ومالطا وصربيا وسلوفينيا وبلغاريا والمجر ورومانيا.

لكن حجم هذه الأسواق، مقارنة بالأسواق الكبرى، جعل تأثيرها على النتيجة الإجمالية أقل وضوحاً، في حين تمكنت السوق الأوروبية في مجموعها من تسجيل زيادة بـ3.7 بالمائة مقارنة بأوت 2025.

في المقابل، كان التراجع أكثر وضوحاً في الأسواق العربية القريبة. فقد انخفض عدد الوافدين من الجزائر بنسبة 32.9 بالمائة، وهو انخفاض كبير بالنسبة إلى سوق اعتادت أن تكون من أهم الأسواق المصدرة للزوار إلى تونس، خصوصاً خلال فصل الصيف.

ويرتبط جزء من هذا التراجع بالتغييرات التي أدخلتها السلطات الجزائرية على نظام الصرف والمنحة السياحية. فقد أصبح استفادة المسافر الجزائري من المنحة السياحية السنوية، المقدرة بـ750 يورو، مرتبطة بحيازة بطاقة بنكية، ضمن إجراءات تستهدف الحد من حالات السفر الوهمي وتحويل العملة المخصصة للسياحة إلى أغراض أخرى، وخاصة المضاربة في سوق الصرف الموازية.

كما وجد آلاف المسافرين الذين استفادوا من المنحة خلال الفترة الممتدة من 1 جانفي إلى 18 جويلية 2026 أنفسهم غير قادرين على الاستفادة منها مرة أخرى قبل حلول جانفي 2027، وهو عامل إضافي انعكس على حركة السفر خلال ذروة الموسم الصيفي.

ولم تكن إجراءات الصرف العامل الوحيد. فقد دخلت أيضاً، منذ بداية العام، إجراءات جبائية جديدة مرتبطة بخروج السيارات الجزائرية عبر الحدود البرية، وهو ما أضاف كلفة جديدة على جزء من المسافرين المتوجهين إلى تونس.

أما السوق الليبية، فلم تكن أفضل حالاً. فقد تراجع عدد الوافدين الليبيين إلى تونس خلال أوت بنسبة 16.3 بالمائة، في وقت واجه فيه الاقتصاد الليبي ضغوطاً متزايدة انعكست على القدرة الشرائية وحركة السفر.

وشهد الدينار الليبي تراجعاً في قيمته بنحو 14.7 بالمائة في بداية العام، في حين أصبح الفارق أكثر وضوحاً عند احتساب سعر الصرف في السوق الموازية. كما تزامن الصيف مع نقص في عدد من المواد وتزايد الضغوط المعيشية، وهي عوامل لا يمكن فصلها عن قرار الأسر الليبية بالسفر والإنفاق خارج البلاد.

وتقدم أرقام سوق الصرف صورة أكثر وضوحاً عن حجم الضغط. فقد تراجعت مبيعات العملة الأجنبية المخصصة للأغراض الشخصية في ليبيا بين جانفي وأفريل 2026 بنسبة 53 بالمائة على أساس سنوي، لتبلغ 2.362 مليار دولار، مقابل نحو 5 مليارات دولار خلال الفترة نفسها من سنة 2025.

وبالنسبة إلى تونس، يمثل هذا التطور خبراً غير مريح، باعتبار أن ليبيا تعد من أهم الأسواق المجاورة، وأن تونس تبقى الوجهة الأولى لعدد كبير من الليبيين الباحثين عن العلاج والتجارة والخدمات والسياحة.

كما تراجع عدد الوافدين من منطقة الشرق الأوسط بنسبة 13.7 بالمائة، وهو انخفاض يرتبط أساساً بالتوترات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة والتي أثرت على حركة السفر والمغادرة من عدد من بلدانها.

وفي النزل، ظهرت آثار هذه التحولات بصورة مباشرة. فقد انخفض مجموع الليالي المقضاة خلال أوت بنسبة 10.4 بالمائة، أي بأكثر من 500 ألف ليلة مقارنة بأوت من العام الماضي، وشمل التراجع مختلف المناطق السياحية تقريباً، باستثناء المهدية.

واللافت أن هذا التراجع حصل رغم ارتفاع الطاقة الفندقية المستغلة بنسبة 2.3 بالمائة، إذ ارتفع عدد الأسرّة من نحو 175 ألفاً إلى 179 ألف سرير.

وبالتالي، لم تكن المشكلة في غياب العرض الفندقي، بل في تراجع الطلب خلال شهر يعد من أكثر أشهر السنة أهمية بالنسبة إلى القطاع.

وانعكس ذلك بدوره على معدل إشغال النزل، الذي تراجع إلى 72 بالمائة في أوت 2026، مقابل 82.6 بالمائة في الشهر نفسه من السنة الماضية، أي بفارق يتجاوز عشر نقاط مئوية.

وتضع هذه الأرقام السياحة التونسية أمام معادلة مختلفة هذا الصيف. فالسوق الأوروبية، رغم تراجع بعض أسواقها، واصلت دعم القطاع، لكن ذلك لم يكن كافياً لتعويض الانخفاض الحاد المسجل في السوقين الجزائرية والليبية، وهما سوقان يتميزان بقربهما الجغرافي وبحضور قوي خلال أشهر الصيف.

وبذلك يبدو أن تراجع أوت لا يعكس بالضرورة تحولاً في جاذبية تونس بالنسبة إلى السياح الأجانب، بقدر ما يعكس تأثير ظروف اقتصادية ونقدية وإجراءات جديدة في عدد من الأسواق التقليدية، وخاصة في الجوار المباشر.

والتحدي بالنسبة إلى القطاع السياحي التونسي سيكون في معرفة ما إذا كان هذا التراجع ظرفياً مرتبطاً بصيف 2026، أم أنه بداية لتغير أعمق في تركيبة السياحة الوافدة إلى تونس، وفي درجة اعتماد القطاع على أسواق الجوار، وخاصة الجزائر وليبيا.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى