الرئيسية آخر الأخبار الرخام التونسي في مرمى الجباية بأثر رجعي: الصناعيون يحذرون من انهيار القطاع...

الرخام التونسي في مرمى الجباية بأثر رجعي: الصناعيون يحذرون من انهيار القطاع وفتح الباب أمام التوريد

0
2
blank

عاد ملف الجباية إلى الواجهة من بوابة قطاع الرخام، بعد أن أطلق صناعيو القطاع ناقوس الخطر، محذرين من تداعيات مطالبتهم بخلاص معلوم الاستهلاك عن سنوات سابقة، تصل، وفق تصريحاتهم، إلى عشر سنوات، في وقت يؤكدون فيه أن هذا المعلوم لم يكن مطبقاً فعلياً على نشاطهم خلال تلك الفترة.

ويقول المهنيون إن تطبيق المعلوم بأثر رجعي يضع المؤسسات أمام معادلة مالية شديدة التعقيد، إذ إن المعلوم المطالب به يتعلق بمبيعات تمت منذ سنوات، وتم احتساب أسعارها وكلفة إنتاجها دون إدراج هذا العبء ضمن السعر الذي دفعه الحريف آنذاك.

وبالتالي، فإن المؤسسة مطالبة اليوم، بحسب الصناعيين، بتحمل كلفة لم تكن قادرة على تحميلها على الحريف وقت البيع.

مطلب جبائي يهدد مؤسسات قائمة منذ سنوات

المشكل، وفق المهنيين، لم يعد يتعلق بمعلوم جديد سيقع تطبيقه مستقبلاً، وإنما بمبالغ متراكمة عن سنوات ماضية.

ويحذر الصناعيون من أن بعض المؤسسات قد تجد نفسها أمام مبالغ لا تستطيع توفيرها، وهو ما قد يهدد قدرتها على مواصلة النشاط، خاصة في ظل ارتفاع كلفة الطاقة والمواد الأولية والنقل وتراجع القدرة الشرائية.

وأكد ممثلو القطاع أن المطالبة بهذه المعاليم يمكن أن تتحول إلى ضربة مباشرة لمؤسسات صناعية تشغل آلاف العمال بصورة مباشرة وغير مباشرة.

كما يخشى المهنيون من أن تؤدي الأزمة إلى توقف عدد من المصانع، بما ينعكس على سلسلة كاملة من الأنشطة المرتبطة بالرخام، من المقالع والنقل إلى التقطيع والتصنيع والتوزيع والتركيب.

هل كان المعلوم موجوداً أم لا؟

الملف يحمل في المقابل تعقيداً قانونياً لا يمكن تجاهله.

فالنصوص الجبائية التونسية تتضمن منذ سنوات أحكاماً تتعلق بمعلوم الاستهلاك، كما ورد الرخام ضمن المنتجات المشمولة بهذا النظام في جداول جبائية سابقة.

غير أن الصناعيين لا يقولون بالضرورة إن النص القانوني لم يكن موجوداً، وإنما يؤكدون أن المعلوم لم يكن مطبقاً فعلياً على نشاطهم بالشكل الذي يجري اعتماده اليوم، وأن المؤسسات لم تكن مطالبة خلال السنوات السابقة باحتسابه ضمن أسعار البيع أو خلاصه وفق الصيغة الحالية.

ومن هنا يبرز السؤال الأساسي في القضية:

هل يكفي وجود نص جبائي في القانون لتبرير استخلاص معاليم عن سنوات سابقة لم يقع خلالها تطبيق المعلوم عملياً على المؤسسات المعنية؟

الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تكون سياسية أو مهنية، وإنما تحتاج إلى قراءة دقيقة للنصوص، ومحاضر المراقبة الجبائية، وقرارات التوظيف، والمراسلات الرسمية التي تحدد كيفية تطبيق المعلوم والفترة التي يمكن للإدارة المطالبة بها.

الصناعيون: لا يمكن مطالبتنا اليوم بما لم نحتسبه بالأمس

الحجة الأساسية التي يقدمها الصناعيون بسيطة: المؤسسة التي باعت منتجاً قبل سنوات حددت سعرها وفق كلفة الإنتاج والأداءات التي كانت تعلم أنها مطالبة بدفعها.

أما إذا تمت مطالبتها اليوم بمعلوم لم يقع احتسابه عند البيع، فإنها لن تتمكن من العودة إلى الحريف ومطالبته بالفارق.

وبذلك يتحول المعلوم من عبء جبائي يمكن تحميله ضمن سعر المنتج إلى خسارة مباشرة تتحملها المؤسسة.

ويرى المهنيون أن هذا الوضع قد يجعل عدداً من المؤسسات غير قادر على الوفاء بالمبالغ المطلوبة، خصوصاً إذا كانت المطالبات تشمل سنوات طويلة وتراكمات مالية كبيرة.

من الرخام المحلي إلى الرخام المستورد

ولا يتوقف التخوف عند احتمال غلق بعض المؤسسات.

فالصناعيون يحذرون من سيناريو آخر أكثر خطورة بالنسبة إلى السوق المحلية، يتمثل في تراجع الإنتاج الوطني وارتفاع الاعتماد على الرخام المستورد.

ويقولون إن تحميل الصناعة المحلية أعباء جبائية بأثر رجعي، في الوقت الذي تواجه فيه أصلاً ارتفاعاً في كلفة الإنتاج والمنافسة الخارجية، قد يؤدي إلى إضعاف قدرتها التنافسية.

والنتيجة المحتملة، وفق هذا السيناريو، هي خروج جزء من المنتج المحلي من السوق، مقابل اتساع مساحة المنتج المستورد.

وهنا تطرح قضية الرخام سؤالاً أوسع حول التوازن بين استخلاص الجباية وحماية النسيج الصناعي الوطني.

قطاع تحت ضغط متزايد

ويأتي هذا الخلاف في وقت يواجه فيه قطاع الرخام تحديات أخرى، من بينها كلفة الطاقة والنقل والمواد الأولية، فضلاً عن صعوبات التمويل والمنافسة في السوق.

كما سبق أن طالب ممثلو القطاع بمراجعة عدد من الإجراءات الجبائية المتعلقة بالرخام، مؤكدين ضرورة تحقيق توازن بين الموارد الجبائية للدولة وقدرة المؤسسات التونسية على الإنتاج والمنافسة.

ويعتبر المهنيون أن استقرار القواعد الجبائية يمثل عنصراً أساسياً بالنسبة إلى أي مؤسسة صناعية، لأن المستثمر يحتاج إلى معرفة كلفة نشاطه والتزاماته قبل اتخاذ قرارات الإنتاج والتوسع والاستثمار.

أما اكتشاف أعباء مالية بعد سنوات من ممارسة النشاط، فيمكن أن يحول الاستقرار الجبائي إلى عنصر مخاطرة بالنسبة إلى المؤسسات.

ليست معركة ضد الجباية

ويؤكد الصناعيون، في المقابل، أن اعتراضهم لا يعني رفض دفع الضرائب أو التهرب من الالتزامات الجبائية.

المطلب الأساسي، وفق طرحهم، يتمثل في توضيح الوضعية القانونية للقطاع والتعامل مع المؤسسات وفق قواعد واضحة ومستقرة، وعدم تحميلها أعباء بأثر رجعي لم تكن محسوبة عند تحديد أسعار المنتجات السابقة.

كما يطالبون بحوار مباشر مع وزارة المالية لإيجاد تسوية تحفظ حقوق الدولة من جهة، وتحمي المؤسسات ومواطن الشغل من جهة أخرى.

الكرة الآن في ملعب الدولة

الملف يضع وزارة المالية أمام اختبار حساس.

فالدولة مطالبة من جهة باستخلاص مواردها الجبائية وتطبيق القانون، لكنها مطالبة من جهة أخرى بالنظر في الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية لأي مطالبة جبائية كبيرة بأثر رجعي.

وبين الطرفين، يبقى السؤال الأهم:

هل يمكن تحصيل معاليم متراكمة دون أن يؤدي ذلك إلى إفلاس المؤسسات التي ستدفعها؟

فإذا كانت بعض المؤسسات ستجد نفسها مضطرة إلى إيقاف نشاطها بسبب المطالبات، فإن الدولة قد تحقق مورداً جبائياً على المدى القصير، لكنها قد تخسر على المدى المتوسط مؤسسة إنتاجية ويداً عاملة وضرائب مستقبلية وإنتاجاً محلياً.

أما إذا تم التوصل إلى تسوية تأخذ في الاعتبار خصوصية القطاع والفترة الزمنية المعنية، فقد يتحول الملف من أزمة تهدد المؤسسات إلى فرصة لإعادة ترتيب العلاقة الجبائية بين الدولة وصناعة الرخام.

في انتظار ذلك، يصر الصناعيون على أن قطاع الرخام في خطر، وأن استمرار المطالبات بأثر رجعي قد يفتح الباب أمام سيناريو لا يريد أحد الوصول إليه: مصانع تونسية تتوقف عن الإنتاج، وعمال يفقدون مواطن شغلهم، وسوق تعوض المنتج المحلي بالرخام المستورد.

والقضية، في النهاية، لم تعد مجرد خلاف حول معلوم استهلاك.

إنها مواجهة بين حق الدولة في الجباية وحق المؤسسة في وضوح القواعد واستقرارها، وبين الاثنين يتحدد مستقبل صناعة كاملة.