مركز أورام قابس بين الرواية الرسمية والبلاغ الحزبي: مشروع تونسي بهبة صينية أم «ثمرة» علاقة بين حزبين؟
وضع صباح الأحد 23 أوت 2026 حجر الأساس لمركز معالجة الأورام السرطانية بالمستشفى الجامعي بقابس، في مشروع صحي طال انتظاره في الجنوب التونسي، بتمويل صيني في شكل هبة تشمل البناء والتجهيز، وبكلفة تقديرية تناهز 40 مليون دينار.
المشهد الرسمي كان واضحا: مستشار اقتصادي بالسفارة الصينية، ومسؤول بوزارة الصحة، ووالي قابس، والمديرة الجهوية للصحة، وعدد من نواب الجهة، إلى جانب الإطارات المعنية بالمشروع.
لكن بعد ساعات، ظهرت رواية سياسية أخرى.
فقد أصدر المكتب الجهوي لحركة الشعب بقابس بلاغا هنأ فيه أهالي الجهة، لكنه لم يكتف بالترحيب بالمشروع، بل ذهب أبعد من ذلك عندما قال إن «هذا الإنجاز كان ثمرة التعاون والعلاقات المتميزة بين الحزب الشيوعي الصيني وحركة الشعب كحركة معارضة وطنية مسؤولة».
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
مشروع دولة أم مشروع حزب؟
المعطيات الرسمية المتوفرة حول المشروع لا تقدمه كمشروع لحركة الشعب، وإنما كمشروع يندرج ضمن التعاون التونسي–الصيني.
المشروع أُعلن عنه منذ سنوات، وتابعته وزارة الصحة، وجرى التنسيق بشأنه مع الجانب الصيني عبر القنوات الرسمية للدولة، كما صادقت تونس رسميا على الاتفاق المتعلق بإنجاز مركز الأورام.
وفي مراحل لاحقة، شاركت السفارة التونسية في بكين والهياكل الحكومية الصينية في متابعة الملف، كما تمت معاينة الموقع وإجراء الدراسات الفنية بالتنسيق مع وزارة الصحة والسلطات الجهوية.
وبعبارة أكثر وضوحا: لا توجد، في المسار الرسمي المعلن للمشروع، إشارة إلى أن حركة الشعب هي الجهة المالكة أو المنفذة أو الممولة لمركز الأورام.
الصين هي التي تقدم الهبة، والدولة التونسية هي الطرف المقابل في الاتفاق، ووزارة الصحة هي الجهة الحكومية المعنية بالمشروع، والمركز سيقام داخل المستشفى الجامعي بقابس.
فكيف تحول مشروع بهذا الحجم، في البلاغ الحزبي، إلى «ثمرة» علاقة بين حزبين؟
الصين تتعامل مع الأحزاب… ولكنها لا تخلط بين الحزب والدولة
صحيح أن الحزب الشيوعي الصيني يقيم علاقات مع أحزاب سياسية في عدد كبير من الدول، وهذه العلاقات الحزبية ليست سرا.
وحركة الشعب نفسها تربطها علاقات بالحزب الشيوعي الصيني، وقد شهدت السنوات الماضية لقاءات وزيارات متبادلة بين الجانبين.
لكن هناك فارقا جوهريا بين التعاون الحزبي والتعاون الحكومي.
عندما يتعلق الأمر بمنشأة صحية عمومية بملايين الدنانير، وبناء وتجهيز مركز داخل مستشفى جامعي، فإن المسألة تدخل في إطار التعاون بين الدول والمؤسسات الحكومية، لا في إطار تمويل حزب سياسي لمشروع تابع له.
فالدولة الصينية يمكن أن تتعامل مع الأحزاب في المجال السياسي والدبلوماسية الحزبية، لكنها عندما تقدم هبة لبناء وتجهيز مستشفى، فإنها تتعامل مع الدولة ومؤسساتها الرسمية.
والسؤال هنا ليس ما إذا كانت حركة الشعب قد لعبت في مرحلة ما دورا في التعريف بالمشروع أو التشجيع عليه أو التواصل بشأنه.
ذلك ممكن، بل وقد يكون جديرا بالتوثيق.
السؤال هو: هل توجد وثيقة رسمية واحدة تجعل مركز الأورام بقابس مشروعا لحركة الشعب؟
حتى الآن، لا تظهر مثل هذه الوثيقة.
وماذا عن الأرض؟
هناك سؤال آخر أكثر حساسية: على أي أرض سيقام المركز؟ ومن يملكها؟
المركز سيقام داخل المستشفى الجامعي بقابس، أي ضمن مؤسسة صحية عمومية.
أما القول إن قطعة الأرض نفسها مملوكة للدولة أو تابعة قانونيا للملك العمومي للدولة، فيحتاج، إذا أريد الجزم به، إلى الرجوع إلى الرسم العقاري ووثيقة تخصيص العقار.
لكن الثابت أن اختيار الموقع وإعداده لم يتم باعتباره عقارا تابعا لحزب سياسي، بل جرى في إطار المسار الرسمي للمشروع، وبمشاركة وزارة الصحة والسلطات الجهوية والمصالح الفنية.
ولا توجد، ضمن المعطيات المعلنة، أي إشارة إلى أن حركة الشعب تملك قطعة الأرض أو أنها وضعتها على ذمة المشروع.
وهنا يصبح السؤال مشروعا: إذا كانت الأرض داخل مؤسسة صحية عمومية، والتمويل هبة من دولة أجنبية، والتنفيذ يتم في إطار اتفاق رسمي بين دولتين، فما هو بالضبط الجزء الذي يجعل المشروع «إنجازا حزبيا»؟
الغائب الحاضر… والحاضر الغائب
المفارقة الأخرى أن وضع حجر الأساس جرى بحضور ممثل عن الجانب الصيني ومسؤولي وزارة الصحة والسلطات الجهوية، فيما لم يبرز في قائمة الحضور المعلنة أي مسؤول عن حركة الشعب.
وهذا أمر يستحق التوقف عنده.
فإذا كانت الحركة تعتبر، وفق بلاغ مكتبها الجهوي، أن المشروع «ثمرة» العلاقات بين الحزب الشيوعي الصيني وحركة الشعب، كان من الطبيعي أن يطرح المتابعون سؤالا بسيطا:
أين كان ممثل حركة الشعب في يوم وضع حجر الأساس لمشروع تقول الحركة إن علاقاتها كانت من أسباب إنجازه؟
لا يمكن الجزم بأن الحركة لم تُدعَ، أو أنها استُبعدت، أو أن عدم حضورها كان مقصودا، ما لم يصدر توضيح رسمي من الحركة أو وزارة الصحة.
لكن المفارقة قائمة: الحزب ينسب لنفسه دورا في إنجاز المشروع، بينما مراسم إطلاقه جاءت بصيغة رسمية تونسية–صينية، من دون حضور حزبي معلن.
بين «ساهمنا» و«أنجزنا» مسافة كبيرة
قد تكون حركة الشعب قد ساهمت فعلا في فتح قنوات التواصل مع الجانب الصيني أو في طرح قضية مركز الأورام أو الدفع نحو إنجازه.
وإذا كان الأمر كذلك، فمن حقها أن تقول ذلك، بل من حق الرأي العام أن يعرف حجم هذا الدور وتاريخه والوثائق التي تثبته.
لكن هناك فرقا كبيرا بين القول:
«ساهمنا في الدفع نحو المشروع»
وبين القول:
«هذا الإنجاز كان ثمرة التعاون بين الحزب الشيوعي الصيني وحركة الشعب».
الأولى رواية سياسية يمكن توثيقها ومناقشتها.
أما الثانية فتطرح سؤالا حول طبيعة المشروع وصاحبه، خصوصا وأن كل المؤشرات الرسمية تقريبا تقود إلى صيغة أخرى: الصين تمنح، تونس تقبل، وزارة الصحة تتابع، والمستشفى الجامعي يحتضن المشروع.
