الرئيسيةآخر الأخبارالمياه المعلبة تحت الضغط.. كيف وصلت أزمة النفط والحرب إلى قارورة الماء...

المياه المعلبة تحت الضغط.. كيف وصلت أزمة النفط والحرب إلى قارورة الماء في تونس؟

ارتفاع كلفة المواد الأولية لصناعة القوارير يهدد بإرباك جديد في السوق.. والحرب تضغط على النفط والنقل البحري

قد لا تكون أزمة المياه المعلبة التي عرفتها تونس خلال الفترة الأخيرة قد انتهت بعد. فخلف قارورة الماء البلاستيكية التي تصل إلى المستهلك توجد سلسلة إنتاج كاملة بدأت تواجه ضغوطاً متزايدة، من ارتفاع أسعار النفط والمواد البتروكيميائية إلى زيادة كلفة النقل البحري، وصولاً إلى ارتفاع أسعار القوالب الأولية التي تصنع منها القوارير البلاستيكية.

وتشير معطيات متداولة في القطاع إلى احتمال ارتفاع كلفة هذه القوالب الأولية بنسب تتراوح بين 30 و40 بالمائة، نتيجة الارتفاعات المسجلة في كلفة النفط والنقل البحري في أعقاب الحرب والتوترات المرتبطة بإيران.

القارورة تبدأ من النفط

قد يبدو الربط بين النفط وقارورة الماء غريباً، لكنه في الواقع مباشر.

فالقوارير البلاستيكية تصنع أساساً من مادة تعرف باسم بولي إيثيلين تيرفثالات، وهي مادة بلاستيكية ترتبط صناعتها بالمواد البتروكيميائية وأسعار الطاقة.

وتبدأ العملية من المادة البلاستيكية الأولية التي تتحول إلى قطعة صغيرة تشبه الأنبوب، قبل أن يتم تسخينها ونفخها داخل قالب لتأخذ شكل قارورة الماء النهائي.

وبذلك تصبح المعادلة واضحة:

ارتفاع النفط يؤدي إلى ارتفاع كلفة المواد البتروكيميائية، ثم ارتفاع كلفة البلاستيك، ثم ارتفاع كلفة القوالب الأولية، وصولاً إلى ارتفاع تكلفة قارورة المياه.

لكن هذه المرة يوجد عامل آخر يزيد الضغط، وهو النقل البحري.

الحرب لا ترفع النفط فقط

التوترات والحرب في المنطقة لا تؤثر في أسعار الطاقة وحدها، بل تمتد آثارها إلى التجارة العالمية وسلاسل التوريد.

فارتفاع مخاطر النقل البحري يؤدي إلى زيادة تكاليف الشحن والتأمين، كما يمكن أن يدفع شركات النقل إلى تغيير مساراتها أو تحمل تكاليف إضافية للوصول إلى الأسواق.

وهكذا تجد الشركات التي تستورد المواد الأولية نفسها أمام فاتورة مزدوجة: مواد أولية أكثر كلفة ونقل بحري أكثر تكلفة.

وقد بدأت أسواق دولية أخرى تشهد انعكاسات مماثلة على صناعة المواد البلاستيكية المستخدمة في تعبئة المياه والمشروبات، مع تسجيل ارتفاعات في أسعار المواد الأولية وتحذيرات من تأثير الحرب على تكلفة إنتاج القوارير.

لماذا قد تكون تونس أكثر حساسية؟

المشكلة بالنسبة إلى تونس لا تتعلق فقط بارتفاع تكاليف الإنتاج.

فالقطاع يعمل أيضاً في ظل ضوابط على أسعار البيع، وهو ما يجعل المنتج غير قادر بالضرورة على تمرير الزيادة الكاملة في تكاليف الإنتاج إلى المستهلك.

وهنا تظهر المعادلة الصعبة:

تكلفة الإنتاج ترتفع، بينما سعر البيع لا يتحرك بالسرعة نفسها.

وبالنسبة إلى مصنع المياه، فإن الفرق بين سعر بيع القارورة وتكلفة إنتاجها يمثل هامش الربح. وإذا تقلص هذا الهامش بشكل كبير، يصبح المصنع أمام خيارات محدودة: تحمل الخسارة، البحث عن خفض تكاليف أخرى، أو تقليص الإنتاج.

وهذا هو السيناريو الذي يثير المخاوف من تحول أزمة في تكلفة الإنتاج إلى أزمة في التزويد.

هل يمكن أن تتكرر أزمة المياه المعلبة؟

السيناريو الأكثر إثارة للقلق هو ألا يكون النقص في المياه المعلبة مرتبطاً هذه المرة فقط بارتفاع الطلب خلال فصل الصيف وموجات الحر، وإنما باضطراب اقتصادي يصيب سلسلة الإنتاج نفسها.

فكلما ارتفعت درجات الحرارة، ارتفع الطلب على المياه المعلبة. وإذا تزامن ذلك مع ارتفاع تكلفة القوارير وعدم قدرة المصانع على زيادة أسعار البيع بالقدر الكافي، فإن الضغط ينتقل مباشرة إلى الإنتاج والتوزيع.

وهنا يطرح السؤال نفسه:

ماذا يحدث عندما تصبح تكلفة إنتاج قارورة الماء أعلى بكثير من السعر الذي يمكن بيعها به؟

قد لا تتوقف المصانع عن العمل، لكنها قد تضطر إلى إعادة النظر في كميات الإنتاج، أو تقليص بعض الأصناف، أو تخفيض وتيرة التصنيع، وهو ما يمكن أن ينعكس في النهاية على توفر المياه المعلبة في الأسواق.

تونس ليست وحدها

من المهم التأكيد أن هذه الظاهرة ليست تونسية في أصلها.

فأسواق دولية أخرى شهدت خلال الأشهر الماضية تحذيرات من ارتفاع أسعار المواد البلاستيكية المستخدمة في صناعة القوارير نتيجة ارتفاع أسعار النفط واضطراب الإمدادات المرتبط بالحرب.

وفي عدد من الأسواق الآسيوية والأوروبية، تحدث المنتجون عن ارتفاعات حادة في تكلفة المواد الأولية المستخدمة في صناعة القوارير، وسط مخاوف من انتقال هذه الزيادة إلى أسعار المياه والمشروبات.

لكن الفرق أن كل دولة تدخل هذه الأزمة من موقع مختلف.

ففي الدول التي تتمتع فيها الشركات بمرونة أكبر في تحديد الأسعار، يمكن للمنتجين تمرير جزء من الزيادة إلى المستهلك. أما عندما تكون الأسعار خاضعة للرقابة، فإن الضغط يقع بدرجة أكبر على المصنع، وقد يظهر في شكل انخفاض في هامش الربح أو تراجع في الإنتاج أو اضطراب في التزويد.

من يتحمل الفاتورة؟

السؤال الذي يطرح نفسه في تونس اليوم لا يتعلق فقط بسعر قارورة الماء.

إنه يتعلق بمن سيتحمل كلفة الصدمات الخارجية.

هل تتحمل المصانع الزيادة؟

هل تتحملها الدولة؟

أم تنتقل في النهاية إلى المستهلك؟

وإذا تم الحفاظ على الأسعار الحالية، فهل تستطيع المصانع الاستمرار في إنتاج الكميات نفسها رغم ارتفاع تكلفة المواد الأولية والنقل والطاقة؟

هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحاً في بلد ارتفع فيه استهلاك المياه المعلبة بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت القارورة جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، خصوصاً خلال فترات الحر وأزمات التزويد بالمياه.

أزمة قارورة أم أزمة نموذج؟

القارورة التي تبدو للمستهلك مجرد عبوة بلاستيكية بسيطة أصبحت في الواقع مرآة لسلسلة اقتصادية عالمية معقدة.

نفط، حرب، نقل بحري، مواد بتروكيميائية، بلاستيك، مصانع، أسعار مراقبة، ثم رف المتجر.

وإذا تأكدت الزيادة التي يتحدث عنها المهنيون في تكلفة القوالب الأولية للقوارير بنسبة تصل إلى 30 أو 40 بالمائة، فإن تونس ستكون أمام اختبار جديد: كيف تحافظ على توفر المياه المعلبة وأسعارها في سوق ترتفع فيه تكاليف الإنتاج العالمية بسرعة أكبر من قدرة الأسعار المحلية على التحرك؟

المشكلة إذن ليست تونسية فقط، لكن تأثيرها على تونس قد يكون أكثر حساسية.

والخطر الحقيقي ليس بالضرورة أن تصبح قارورة الماء أغلى غداً، وإنما أن تصبح أكثر كلفة في الإنتاج وأصعب في التوفير بالسعر الحالي.

وقد تبدأ الأزمة من قطعة بلاستيكية صغيرة تستخدم لصناعة القارورة، لكنها في النهاية قد تصل إلى المستهلك الذي يبحث عن قارورة ماء باردة في يوم شديد الحرارة.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى