أثار تصريح رئيس لجنة المالية والميزانية بالبرلمان ماهر الكتاري بشأن مشروع القانون المتعلق بقرض بقيمة 500 مليون أورو جدلا حول حدود صلاحيات البنك المركزي ودور مجلس نواب الشعب في المصادقة على القروض الخارجية.
وكان الكتاري قد عبّر عن استغرابه من إحالة مشروع القانون على البرلمان بعد نشر الاتفاق المتعلق بالقرض في الرائد الرسمي منذ أكثر من شهر، متسائلا عن جدوى المصادقة البرلمانية بعد أن أصبح القرار المالي واقعا.
لكن قراءة هذا الملف تستوجب التمييز بين صلاحيات البنك المركزي باعتباره مؤسسة سيادية تضطلع بإدارة السياسة النقدية والاحتياطي من العملة الأجنبية، وبين الدور التشريعي للبرلمان في مراقبة مالية الدولة والمصادقة على الالتزامات التي تتحملها الخزينة العمومية.
البنك المركزي… سلطة نقدية مستقلة
يتمتع البنك المركزي التونسي باستقلالية قانونية في إدارة السياسة النقدية، والمحافظة على استقرار العملة، والتصرف في احتياطي البلاد من العملة الأجنبية، إضافة إلى دوره في ضمان التوازنات المالية الكبرى.
وفي هذا الإطار، فإن القرارات التي يتخذها البنك المركزي في مجال تدبير السيولة والعملة الأجنبية تدخل ضمن صلاحياته القانونية، باعتبار أن إدارة السياسة النقدية تعد من عناصر السيادة الاقتصادية للدولة.
غير أن استقلالية البنك المركزي لا تعني أنه يحل محل السلطة التشريعية في كل ما يتعلق بالمالية العمومية.
البرلمان ودوره في القروض العمومية
تعتبر القروض التي تبرمها الدولة التونسية التزامات مالية تمتد آثارها على السنوات المقبلة، ولذلك يخضع جزء منها إلى رقابة البرلمان من خلال المصادقة على اتفاقيات التمويل.
وتتمثل أهمية هذه المصادقة في تمكين النواب من الاطلاع على شروط القرض، وكلفته، وآجاله، وتأثيره على المديونية العامة، قبل أن يصبح التزاما نهائيا على الدولة.
ومن هنا يأتي اعتراض رئيس لجنة المالية، إذ يرى أن إحالة مشروع القانون بعد نشر الاتفاق في الرائد الرسمي تجعل البرلمان أمام أمر واقع، حيث يتحول دوره من الموافقة المسبقة إلى مجرد تسجيل إجراء تم اتخاذه.
هل تصبح مصادقة البرلمان بلا معنى؟
الإجابة ليست بهذه البساطة.
فإذا كان القرض قد تم إبرامه وتنفيذه فعليا قبل حصول الترخيص التشريعي، فإن الإشكال يصبح مرتبطا باحترام التسلسل القانوني ودور البرلمان في مراقبة المال العام.
أما إذا كان الإجراء الذي قام به البنك المركزي يدخل ضمن صلاحياته القانونية، ثم يتم عرض الأمر لاحقا على البرلمان لاستكمال المسار التشريعي، فإن المسألة تصبح مرتبطة بتفسير النصوص القانونية المنظمة للعلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية والبنك المركزي.
بمعنى آخر، لا يمكن اعتبار كل تدخل للبنك المركزي تجاوزا لدور البرلمان، كما لا يمكن اعتبار المصادقة البرلمانية مجرد إجراء شكلي لا قيمة له.
الخلاف الحقيقي: من يملك القرار المالي؟
القضية الأوسع التي يطرحها هذا الملف تتعلق بتوازن السلطات في إدارة المالية العمومية.
فالدولة تحتاج إلى سرعة ومرونة في التصرف المالي، خاصة في ظل حاجيات التمويل والضغوط الاقتصادية، وهو ما يبرر وجود مؤسسات تتمتع بصلاحيات واسعة مثل البنك المركزي.
لكن في المقابل، يبقى البرلمان مطالبا بممارسة دوره الرقابي، لأن القروض الخارجية لا تمثل مجرد عمليات مالية ظرفية، بل التزامات تتحملها الدولة والأجيال القادمة.
لذلك فإن النقاش حول قرض الـ500 مليون أورو لا يتعلق فقط بمشروعية القرار، بل أيضا بمدى احترام التوازن بين مقتضيات السيادة النقدية وضرورة الرقابة الديمقراطية على المال العام.
