الرئيسيةآخر الأخباربالدينار التونسي: كلفة مرعبة تدفعها الخطوط التونسية لمجرد وقوف طائرتها الرهينة في...

بالدينار التونسي: كلفة مرعبة تدفعها الخطوط التونسية لمجرد وقوف طائرتها الرهينة في الغربة

في زاوية منزوية من مدرج مطار شاتورو الفرنسي، تقف طائرة من طراز إيرباص أ330-200 التابعة للخطوط التونسية، والحاملة لرمز التسجيل ت س – إف م، جائمة بلا حراك. بالنسبة للعابرين، قد تبدو مجرد طائرة في فترة صيانة عادية، لكن بالنسبة للناقلة الوطنية وجيوب التونسيين، فإن هذه الطائرة تمثل جرحاً استنزافياً غائراً يعكس عمق الأزمات المركبة التي تلاحق أسطولنا الجوي.

لقد مرت اليوم 537 يوماً (أكثر من عام ونصف) منذ أن وطأت عجلات هذه الطائرة أرض المطار الفرنسي في شهر أفريل من سنة 2025. ومنذ ذلك الحين، وعدّاد المصاريف لا يتوقف عن الدوران.

تحررت الأوراق.. واختفت المحركات!

قصة هذه الطائرة تشبه الأفلام الدرامية؛ بدأت بنزاع قضائي شرس تحفظي خاضته الخطوط التونسية ضد صندوق استثماري أمريكي، وانتهت بانتصار قانوني في شهر يناير الماضي عندما حكمت محكمة الاستئناف بمدينة بورج الفرنسية برفع الحجز وإعادة الطائرة لملكية الدولة التونسية مع تغريم الطرف الأمريكي.

لكن الفرحة لم تكتمل، والاستفاقة كانت صادمة. تبيّن أن الطائرة تحررت على الورق فقط، أما على أرض الواقع فقد أصبحت « هيكلاً مفرغاً بلا محركات ». النزاع المالي الحقيقي كان يدور حول ديون صيانة قديمة (تناهز 18.7 مليون دولار) تخص محركات أخرى تملكها الشركة وليست المثبتة عليها، والنتيجة؟ بقيت المحركات محتجزة، وبقي الهيكل وحيداً في فرنسا عاجزاً عن التحليق.

الفاتورة الصامتة: أرقام تحرق جيوب الشركة

بقاء طائرة عريضة البدن يفوق وزنها 230 طناً فوق أرضية مطار فرنسي ليس مجانياً. وحسب لغة الأرقام الصارمة، تتراوح كلفة الركن الأرضي الصافي لهذه الطائرة بين 1,000 و 2,000 دينار تونسي يومياً.

وبعملية حسابية بسيطة حتى يومنا هذا، كلف هذا الموقف الصامت خزينة الشركة ما بين 540 ألف دينار وفوق المليون دينار تونسي.

هذه الأرقام تخفي وراءها كواليس مادية أخرى؛ فالطائرة تحتاج صيانة حفظ دورية لمنع تآكل أنظمتها الحساسة بسبب الرطوبة والطقس الأوروبي المتقلب. ورغم أن القضاء حكم بتعويضات لفائدة الخطوط التونسية قد تغطي جزءاً من هذه المصاريف، إلا أن نزيف الطائرة الحقيقي لا يكمن في رسوم المطار، بل في الفراغ التشغيلي الذي تركته وراءها.

النزيف الأكبر: خط كندا وعقود الاستئجار البديلة

عندما تغيب طائرة بهذا الحجم عن الخدمة، تُصاب الخطوط طويلة المدى بالشلل. ولتأمين خط « تونس-مونتريال » الحيوي للجالية التونسية، وجدت الشركة نفسها مجبرة على الضغط القصوي على طائرتها الوحيدة المتبقية من نفس الطراز، أو الارتماء في أحضان الحل الأسهل والأعلى كلفة: عقود استئجار الطائرات الأجنبية الشاملة بالطواقم والصيانة والتأمين.

كراء طائرة بديلة مع طاقمها وصيانتها من شركات أوروبية يكلف الخطوط التونسية مبالغ طائلة تتراوح بين 16 ألفاً و 28 ألف دينار تونسياً عن كل ساعة طيران واحدة. هذه الملايين من الدينارات التي دُفعت كإيجار بديل على مدار 18 شهراً، كانت كافية لحل أزمات صيانة تشكو منها عدة طائرات أخرى رابضة في مطار تونس قرطاج.

إلى أين المسير؟

ملف هذه الطائرة لم يعد مجرد مسألة قانونية تم حسمها، بل تحول إلى قضية رأي عام اقتصادي. الطائرة اليوم تحتاج قراراً شجاعاً وضخ سيولة مالية ضخمة لشراء أو استئجار محركات جديدة تعيد الروح للهيكل الرابض في غربة فرنسية، وإلا ستبقى هذه المنشأة الوطنية عُرضة للتآكل، وستظل الشركة تدفع ضريبة خطأ تشغيلي وقانوني قديم، في وقت يحتاج فيه التونسيون إلى كل مليم لإنقاذ أسطولهم الجوي.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى