الرئيسيةآخر الأخباربدعم فرنسي أوروبي.. تمويل مشروع زراعي لمواجهة الجفاف والتغيرات المناخية في تونس

بدعم فرنسي أوروبي.. تمويل مشروع زراعي لمواجهة الجفاف والتغيرات المناخية في تونس

في وقت تتزايد فيه الضغوط على الموارد المائية وتتسع تداعيات التغيرات المناخية على الفلاحة التونسية، تتجه شراكة جديدة بين مرصد الصحراء والساحل وفرنسا والاتحاد الأوروبي إلى البحث عن حلول قد تكون موجودة أصلاً في ذاكرة المجتمعات الريفية، لكنها لم تحظ بالقدر الكافي من التوثيق والاستثمار.

فقد وقّع مرصد الصحراء والساحل والوكالة الفرنسية للتنمية، اليوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، اتفاقية لتمويل مشروع إقليمي تبلغ كلفته الإجمالية 150 ألف يورو، أي ما يعادل نحو 500 ألف دينار تونسي، يهدف إلى جمع المعارف الزراعية الإيكولوجية والممارسات المحلية وتوثيقها وتثمينها، بما يساعد المناطق الريفية في بلدان الضفة الجنوبية للمتوسط على التكيف مع الجفاف وندرة المياه وتدهور التربة.

وتكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس، التي تواجه تحديات متزايدة في تأمين الموارد المائية وحماية الأراضي الزراعية، في وقت أصبحت فيه قدرة الفلاحين على التكيف مع التقلبات المناخية عاملاً مؤثراً في استمرارية الإنتاج الزراعي والمحافظة على سبل العيش في المناطق الريفية.

حلول في ذاكرة الفلاحين

لا ينطلق المشروع من البحث عن تقنيات حديثة فحسب، بل يسعى أيضاً إلى إعادة اكتشاف خبرات تراكمت عبر أجيال في التعامل مع ندرة المياه وصعوبة الظروف المناخية. فطرق إدارة التربة والمياه، واختيار البذور المحلية وحفظها، والمحافظة على التنوع البيولوجي الزراعي، فضلاً عن الممارسات المرتبطة بالواحات والنباتات النافعة وتحويل المنتجات المحلية، ستكون ضمن أبرز المجالات التي يشملها العمل.

غير أن التحدي لا يتمثل في جمع هذه التجارب فقط، بل في تحديد مدى فعاليتها والظروف التي تسمح بتطويرها والاستفادة منها في مناطق أخرى. فكثير من المعارف المحلية ما زال متفرقاً أو غير موثق بصورة كافية، كما أن حضوره في السياسات العمومية واستراتيجيات التكيف المناخي يظل محدوداً.

ومن هنا، يطمح المشروع إلى تحويل الخبرات المتوارثة من مجرد ممارسات محلية إلى موارد معرفية يمكن للباحثين وصناع القرار الاستناد إليها عند إعداد برامج التكيف مع التغيرات المناخية.

النساء في صلب المعارف الزراعية

ومن بين الجوانب التي سيوليها المشروع اهتماماً خاصاً دور النساء في الحفاظ على المعارف الزراعية ونقلها بين الأجيال، ولا سيما في مجالات إدارة المياه وصون البذور وتحويل المنتجات المحلية.

ويهدف هذا التوجه إلى إبراز الدور الذي تضطلع به النساء في استمرارية الممارسات الزراعية التقليدية، وإدماج خبراتهن في التوصيات المتعلقة بالتكيف المناخي، بدلاً من التعامل مع هذه المعارف باعتبارها مجرد إرث تقليدي منفصل عن السياسات الزراعية والبيئية.

كما سيعتمد المشروع على دراسة تجارب من بلدان مختلفة في منطقة المتوسط، بهدف مقارنة الممارسات وتحديد العناصر التي يمكن تكييفها أو توسيع نطاق استخدامها وفقاً لخصوصيات كل منطقة.

ثمانية بلدان معنية بالمبادرة

لن يقتصر المشروع على تونس، بل سيشمل بلدان الضفة الجنوبية للمتوسط، وهي سوريا ولبنان وفلسطين والأردن ومصر وتونس والجزائر والمغرب.

ومن المنتظر أن تفضي هذه المبادرة إلى إعداد مرجع تحليلي للمعارف الزراعية الإيكولوجية، وإنجاز دراسة مقارنة للتجارب المتوسطية، إلى جانب تنظيم مائدة مستديرة إقليمية تجمع الباحثين وصناع القرار والشركاء الفنيين والماليين وممثلي المجتمع المدني والممارسين المحليين.

وستتاح نتائج المشروع لجميع البلدان الأعضاء في مرصد الصحراء والساحل، بما يسمح بتبادل التجارب والاستفادة من الحلول التي أثبتت جدواها في مواجهة التحديات المناخية.

كما يُنتظر أن تساعد مخرجاته على إبراز المبادرات المحلية في المحافل الدولية، بما فيها مؤتمرات الأطراف المعنية بالمناخ والمنتدى العالمي للمياه.

تمويل مشترك بدعم فرنسي وأوروبي

ويُنفذ المشروع في إطار برنامج «أدابت أكشن ـ أكاميد»، بتمويل مشترك من الوكالة الفرنسية للتنمية والاتحاد الأوروبي ومرصد الصحراء والساحل، في خطوة ترمي إلى دعم قدرة المجتمعات الريفية في المنطقة المتوسطية على مواجهة آثار التغير المناخي.

وجرى توقيع الاتفاقية بمقر المرصد في تونس، بحضور الأمين التنفيذي للمنظمة نبيل بن خطرة، وسفيرة فرنسا لدى تونس آن غيغان، ومدير الوكالة الفرنسية للتنمية في تونس كريستوف كوتيه.

وقال نبيل بن خطرة إن التكيف مع التغير المناخي ينبغي أن ينطلق من واقع المناطق واحتياجات سكانها، من خلال الجمع بين المعارف المحلية والخبرة العلمية والسياسات العامة الملائمة، مشيراً إلى أن المشروع يهدف إلى تحويل الممارسات التي طورتها المجتمعات إلى أدوات عملية قابلة للنشر والاستفادة على نطاق أوسع.

من جهتها، أكدت السفيرة الفرنسية آن غيغان أن بلدان الضفة الجنوبية للمتوسط، ومن بينها تونس، راكمت خبرات في حماية المياه والتربة والمحاصيل في مناطق ريفية تواجه ظروفاً مناخية تزداد صعوبة، معتبرة أن الشراكة الجديدة من شأنها المساهمة في تطوير حلول مشتركة بين ضفتي المتوسط.

وبالنسبة إلى تونس، يبقى الرهان الأساسي هو مدى قدرة هذه المبادرة على نقل المعارف التي ستجمعها من مستوى التوثيق والدراسة إلى الممارسة الفعلية، بما يساعد على حماية الموارد الطبيعية وتعزيز صمود الفلاحين والمناطق الريفية أمام الجفاف والتقلبات المناخية.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى