جاء في تقرير لوكالة نوفا الايطالية اليوم أن المفوضية الأوروبية إلى إدخال تغييرات جديدة على طريقة إسناد الصفقات المرتبطة بالتمويلات والضمانات الأوروبية، من خلال دراسة إدراج ما يسمى « شرط الأفضلية الأوروبية » ضمن الميزانية الأوروبية متعددة السنوات للفترة الممتدة بين 2028 و2034، بهدف منح الشركات الأوروبية أولوية في المشاريع التي يتم تمويلها بأموال أو ضمانات من الاتحاد الأوروبي.
ويأتي هذا التوجه بعد حالة من الاستياء داخل المؤسسات الأوروبية إثر فوز شركات صينية مملوكة للدولة بصفقات في تونس ممولة بدرجة كبيرة من مؤسسات مالية أوروبية، خاصة البنك الأوروبي للاستثمار والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.
وترى بروكسل أن الوضع الحالي يطرح إشكالا يتمثل في أن الاتحاد الأوروبي ومؤسساته المالية يتحملون جزءا مهما من مخاطر تمويل مشاريع في دول شريكة، بينما تذهب العقود في النهاية إلى شركات من خارج الاتحاد الأوروبي، وخاصة شركات صينية مدعومة من حكومتها.
صفقات السكك الحديدية في تونس تثير القلق الأوروبي
برزت قضية الصفقات التونسية بعد حصول مجموعة الشركة الصينية المحدودة لعربات السكك الحديدية على عقود لتزويد تونس بقطارات كهربائية.
فقد أسندت شركة النقل بتونس عقدا إلى فرع تابع للمجموعة الصينية لتوفير 18 عربة قطار كهربائية مخصصة للخط الحديدي الرابط بين تونس وحلق الوادي والمرسى.
وتبلغ قيمة المشروع حوالي 90 مليون يورو، بتمويل مناصفة بين:
- 45 مليون يورو من البنك الأوروبي للاستثمار.
- 45 مليون يورو من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.
كما يحظى قرض البنك الأوروبي للاستثمار بضمان من ميزانية الاتحاد الأوروبي.
وبعد أيام قليلة، حصلت شركة صينية أخرى تابعة للمجموعة نفسها على صفقة مع الشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية بقيمة 38.2 مليون يورو لتوفير خمسة قطارات كهربائية لفائدة خط المكنين – المهدية.
وبذلك تمكنت المجموعة الصينية خلال فترة قصيرة من الفوز بطلبات تونسية تشمل 23 قطارا كهربائيا.
ولا يقتصر النقاش الأوروبي على قطاع السكك الحديدية، إذ يشمل أيضا مشروع الجسر الجديد ببنزرت الذي أسند إلى شركة صينية متخصصة في مشاريع الطرق والجسور.
ويحظى المشروع بتمويلات دولية مهمة، من بينها قرض بقيمة 123 مليون يورو من البنك الأوروبي للاستثمار بضمان من ميزانية الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى 122 مليون يورو من البنك الإفريقي للتنمية، فضلا عن منحة أوروبية لتمويل الدراسات الأولية.
وترى أوساط أوروبية أن هذه المشاريع تكشف عن إشكال متزايد، يتمثل في أن التمويلات الأوروبية قد تساهم بصورة غير مباشرة في تعزيز حضور شركات من خارج الاتحاد، وخاصة الشركات الصينية.
رغم الانتقادات، فإن بروكسل لا تملك حاليا صلاحية فرض اختيار شركات أوروبية على الدول المستفيدة من التمويلات.
فالمؤسسات المالية الأوروبية تقوم بتمويل المشاريع، لكن إسناد الصفقات يبقى من صلاحيات السلطات أو المؤسسات العمومية في الدول المعنية، وفق قواعد المنافسة وإجراءات المناقصات.
وبالتالي، لا يمكن استبعاد شركة صينية فقط بسبب كونها غير أوروبية، طالما أنها تحترم شروط المنافسة المعتمدة.
شروط جديدة لمنافسة أكثر توازنا
ولتغيير هذا الوضع، تدرس المفوضية الأوروبية إدخال معايير جديدة ضمن الميزانية المقبلة، لا تقوم على منع الشركات الصينية بشكل مباشر، وإنما على فرض شروط تجعل المنافسة أكثر توازنا.
ومن بين الشروط المقترحة:
- احترام حقوق العمال والمعايير الاجتماعية.
- الالتزام بالمعايير البيئية.
- الكشف عن مصادر الدعم الحكومي الذي تحصل عليه الشركات.
- وجود نسبة من الإنتاج أو القيمة المضافة داخل أوروبا.
- عدم الاعتماد على السعر وحده عند اختيار الشركات الفائزة.
وترى المفوضية أن هذه المعايير ستمنح الشركات الأوروبية قدرة أكبر على المنافسة أمام شركات تحصل على دعم مالي من حكوماتها.
العروض الصينية أقل سعرا
وحسب المعطيات المتوفرة، فإن أحد أسباب فوز الشركات الصينية بالصفقات التونسية يعود إلى قدرتها على تقديم عروض مالية منخفضة جدا مقارنة بالمنافسين الأوروبيين.
وتشير المعلومات إلى أن العرض الصيني في إحدى الصفقات كان يقارب نصف قيمة العروض المنافسة، وهو ما جعل الشركات الأوروبية تواجه صعوبة في المنافسة اعتمادا على السعر فقط.
تونس في قلب مواجهة اقتصادية بين أوروبا والصين
ولا يتعلق النقاش الأوروبي بتونس وحدها، بل يمثل جزءا من مواجهة اقتصادية أوسع حول توسع الشركات الصينية في مشاريع البنية التحتية في دول الجوار الأوروبي وإفريقيا ومناطق أخرى.
فأوروبا تخشى أن تتحول تمويلاتها وضماناتها المالية إلى وسيلة غير مباشرة لتوسيع نفوذ شركات مدعومة من دول منافسة، خاصة الصين.
في المقابل، تبحث الدول المستفيدة من هذه المشاريع، ومنها تونس، عن أفضل العروض من حيث الكلفة والتمويل وسرعة الإنجاز، في ظل حاجتها إلى تطوير بنيتها التحتية.
وبذلك أصبحت الصفقات التونسية في مجالات النقل والجسور جزءا من نقاش عالمي أكبر حول المنافسة بين أوروبا والصين، وحول مستقبل قواعد الاستثمار والتمويل الدولي.
