في مشهدٍ دبلوماسي حمل الكثير من الدلالات والرسائل السياسية، استقبل رئيس الفترة الانتقالية في بوركينا فاسو، الكابتن إبراهيم تراوري، في العاصمة واغادوغو، السفير الإسرائيلي الجديد سيمون سيروسي، لتسليم أوراق اعتماده كسفيرٍ فوق العادة ومفوضًا لبلاده هذا الحدث، الذي وثّقته الصور الرسمية ونشرها الدبلوماسي الإسرائيلي محتفيًا بـ « العلاقات الراسخة بين الدولتين »، لم يمرّ كخبر بروتوكولي عابر، بل أحدث هزة ارتدادية في أوساط النخب الفكرية والسياسية العربية والإفريقية التي تابعت الصعود الدراماتيكي للشاب البوركيني .

منذ قفوزه إلى السلطة عقب انقلاب سبتمبر 2022، حرص الكابتن إبراهيم تراوري (أصغر رئيس دولة في العالم حاليًا) على ارتداء عباءة الزعماء التحرريين الأفارقة في القرن العشرين . خطاباته النارية الحماسية في القمم الدولية، وقراراته الحاسمة بإنهاء الوجود العسكري الفرنسي، وطرد السفراء الغربيين، والحديث المستمر عن « السيادة الوطنية الكاملة » وإعادة صياغة تحالفات القارة السمراء، جعلت منه « أيقونة » جديدة في عيون الكثيرين.
هذه الكاريزما الشعبوية والخطاب المناهض للإمبريالية، وجدت صدى واسعًا وبشكل خاص في تونس، حيث سارعت شرائح واسعة ممّن يُصنّفون ضمن « النخبة الثورية والعروبية واليسارية » إلى تبني ظاهرة تراوري. ولم يتردد هؤلاء في إسباغ ألقاب تاريخية ثقيلة عليه؛ فشُبّه بالزعيم البوركيني الراحل توماس سانكارا بل وذهب آخرون إلى تلقيبه بـ « باتريس لوممبا الجديد »، كرمز للمقاومة الإفريقية الشرسة ضد الاستعمار والتبعية للغرب.
إلا أن السياسة، في جوهرها الواقعي، لا تُدار بالشعارات وحدها. ويأتي مشهد مصافحة تراوري للسفير الإسرائيلي وقبول اعتماده الدبلوماسي ليضع هذه الرمزية على محك اختبار حقيقي [1.4.2، 1.2.9]. فالإرث التاريخي لـ « باتريس لوممبا » أو « توماس سانكارا » لم يكن يقتصر على معاداة دولة غربية بعينها، بل كان موقفًا أيديولوجيًا شاملًا يتضامن مع كافة حركات التحرر في العالم، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي اعتبرتها تلك الرموز تاريخيًا جزءًا لا يتجزأ من نضال الشعوب ضد الاستعمار.
في المقابل، يبدو أن « لوممبا الجديد » يتبع نهج « البرغماتية السياسية »؛ حيث يسعى لترسيخ حكمه وتأمين ملفات بلاده الأمنية والتقنية عبر الإبقاء على قنوات اتصال مفتوحة مع قوى دولية مختلفة، متجاوزًا الأدبيات الثورية التي صُنعت حوله في العواصم العربية.
أمام هذا التناقض الصارخ بين الخطاب المناهض للاستعمار والممارسة الدبلوماسية على الأرض، يبرز التساؤل الجوهري والأكثر إلحاحًا في الشارع الثقافي التونسي: هل ما زال أولئك الذين أطلقوا على إبراهيم تراوري في تونس لقب « باتريس لوممبا » متمسكين بهذه التسمية؟ أم أن هذه المصافحة الدبلوماسية ستدفع النخبة التونسية إلى مراجعة قراءاتها المتسرعة، والاعتراف بأن صناعة « الأبطال القوميين » بناءً على الخطابات الحماسية وحدها غالباً ما تصطدم بصخرة الواقعية السياسية التي لا تؤمن بالشعارات؟


