الرئيسيةآخر الأخبارتدوينة مجدي الكرباعي تفتح ملف الخارجية: هل المشكلة في غياب السفراء أم...

تدوينة مجدي الكرباعي تفتح ملف الخارجية: هل المشكلة في غياب السفراء أم في الكاستينغ؟

12 قنصلية دون قنصل عام و27 سفارة دون سفير.. وأسئلة محرجة حول التعيينات وأداء التمثيليات التونسية بالخارج

يبدو أن تدوينة النائب السابق مجدي الكرباعي حول وضع السفارات والقنصليات التونسية بالخارج لم تتوقف عند حدود مواقع التواصل الاجتماعي، بل فتحت نقاشاً داخل الأوساط المهتمة بعمل وزارة الشؤون الخارجية، وخاصة حول طريقة إدارة شبكة التمثيل الدبلوماسي والقنصلي التونسي.

الكرباعي تحدث عن أرقام قال إنها تكشف وجود 12 قنصلية دون قنصل عام و27 سفارة دون سفير، مشيراً إلى أن فرنسا، التي تضم أكبر جالية تونسية، عاشت عامين دون قنصل عام، فيما بقيت إيطاليا، التي تضم ثاني أكبر جالية، لأكثر من عام دون سفير ودون قنصل عام في روما.

لكن اللافت في تدوينة الكرباعي أنه لم يتوقف عند مسألة الشغورات، بل طرح سؤالاً أكثر أهمية: هل المواطن التونسي شعر أصلاً بوجود هذه التمثيليات عندما احتاج إليها؟

وهو سؤال يستحق التوقف عنده.

فالسفارة والقنصلية لا تكتسبان أهميتهما بعدد المسؤولين الموجودين داخلهما، وإنما بما تقدمانه للتونسيين وبمدى حضورهما عندما يجد المواطن نفسه في مأزق بعيداً عن بلده.

مواطن تونسي في المستشفى.. أين القنصلية؟

واستشهد الكرباعي بحالة شاب تونسي موجود في مستشفى «أوسبيدالي ديل ماري» في نابولي إثر حادث، قال إنه كان وحيداً ولا يطلب سوى أن تكون والدته إلى جانبه.

وبحسب الكرباعي، فإن مثل هذه الحالات يفترض أن تكون محل متابعة من المصالح الاجتماعية والقنصلية، وأن تتحرك التمثيلية التونسية لفائدة المواطن، لا أن تبقى المسألة في انتظار تدوينة أو مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي حتى تتحرك الجهات المعنية.

ثم يطرح الكرباعي سلسلة من الأسئلة التي يعرفها جيداً التونسيون المقيمون في الخارج: ماذا يحدث عندما تحجز سيارة مواطن تونسي لدى الديوانة الإيطالية؟ ماذا يفعل من تضيع وثائقه؟ ومن يتولى متابعة مواطن يحتاج إلى استفسار أو مساعدة عاجلة ولا يجد رقماً واضحاً أو موظفاً يجيبه؟

والأمر، كما يشير الكرباعي، لا يتوقف هنا، فهناك أيضاً ملفات التونسيين الموجودين في السجون ومراكز الاحتجاز والترحيل، وحالات الوفاة التي تصل أخبارها أحياناً إلى العائلات بعد أيام.

السؤال الأصعب: كيف يتم اختيار السفراء والقناصل؟

هنا تنتقل المسألة إلى مستوى آخر.

فإذا كان النقاش اليوم يدور حول وجود 27 سفارة دون سفير و12 قنصلية دون قنصل عام، فإن السؤال المقابل هو: كيف تتم التعيينات عندما يتم سد هذه الشغورات؟

هل هناك فعلاً معايير واضحة ومعلنة لاختيار السفير أو القنصل العام؟

هل تتم مراجعة المسار المهني للمرشح، ومؤهلاته، وقدرته على إدارة بعثة في بلد معين، ومدى معرفته بخصوصياته؟

وماذا عن اللغات؟ وهل يتم وضع المؤهل اللغوي ضمن العناصر الأساسية عند اختيار المسؤول الذي سيمثل تونس في بلد أجنبي؟

ثم هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: هل يقع تقييم أداء السفراء والقناصل بعد انتهاء مهامهم؟

بمعنى آخر، هل يتم النظر إلى النتائج التي حققها المسؤول خلال فترة عمله؟ هل تحسنت الخدمات القنصلية؟ هل تحسنت علاقات تونس الاقتصادية؟ هل نجحت السفارة في مرافقة الجالية؟ هل ساهمت في جلب استثمارات أو فتح أسواق جديدة؟

أم أن التقييم ينتهي بمجرد انتهاء مدة المهمة؟

وزارة الخارجية لا تعاني من نقص الكفاءات

المثير في هذا الملف أن الحديث لا يتعلق، بالضرورة، بنقص الكفاءات داخل وزارة الخارجية.

فالوزارة تزخر بإطارات وموظفين لهم تجربة طويلة في الدبلوماسية والعمل القنصلي، لكن الإشكال الذي يطرح نفسه هو في اختيار الكفاءات للمواقع المناسبة.

بمعنى آخر، المشكلة قد لا تكون في غياب الأشخاص القادرين على القيام بالمهمة، وإنما في طريقة اختيار من يوضع في هذا الموقع أو ذاك.

وهنا تظهر أسئلة أخرى أكثر حساسية: هل تعتمد التعيينات على الكفاءة والخبرة والحاجة الفعلية لكل بعثة؟ وهل توجد حالات تكون فيها العلاقات الشخصية أو الاعتبارات الأخرى عاملاً في اختيار بعض المسؤولين؟

هذه ليست اتهامات موجهة إلى أشخاص بعينهم، لكنها أسئلة مشروعة كلما تعلق الأمر بمناصب تمثل الدولة التونسية في الخارج وتحمل مسؤوليات مباشرة تجاه آلاف المواطنين.

الجالية لا تريد سفيراً للمناسبات

في النهاية، جوهر ما طرحه الكرباعي يمكن اختصاره في فكرة واحدة: المواطن لا يحتاج سفارة موجودة في المناسبات فقط، وإنما يحتاجها عندما يقع في مشكلة.

التونسي المقيم في الخارج يريد أن يجد من يجيب على هاتف القنصلية، ومن يتابع ملفه عندما يقع في مأزق، ومن يقف إلى جانبه عندما يدخل المستشفى أو السجن أو يفقد وثائقه أو يواجه مشكلة مع السلطات المحلية.

وهذا ينطبق أيضاً على المؤسسات الاقتصادية التي يفترض أن تكون حاضرة في الخارج للتعريف بتونس وجلب الاستثمار وفتح الأسواق أمام المؤسسات التونسية.

الكرباعي أعاد في تدوينته التذكير بمشاركته في معرض ميلانو، معتبراً أن الفارق بين الحضور التونسي والحضور المغربي والمصري كان واضحاً.

وقد يكون من المفيد هنا أن تتحول هذه الملاحظات إلى سؤال رسمي: ماذا حققت المؤسسات التونسية المكلفة بالترويج للاستثمار والتصدير في الخارج؟ وكيف يقع تقييم نتائجها؟

المطلوب ليس ملء الكراسي

في النهاية، يبدو أن النقاش الذي فتحته تدوينة مجدي الكرباعي يتجاوز مسألة تعيين سفراء وقناصل جدد لسد الشغورات.

السؤال الحقيقي هو: أي دبلوماسية تريد تونس؟

دبلوماسية يكون فيها المنصب في حد ذاته امتيازاً، أم دبلوماسية تقاس نتائجها بما تقدمه للمواطن وبما تحققه للدولة؟

فالمطلوب في النهاية ليس فقط أن تكون السفارات والقنصليات مفتوحة وأن تكون الكراسي شاغرة أو غير شاغرة، وإنما أن تكون هناك كفاءة، متابعة، تقييم ومحاسبة.

أما المواطن التونسي في الخارج، فهو لا يبحث عن مسؤول يظهر في المناسبات الرسمية، بل عن دولة يجدها إلى جانبه عندما يحتاج إليها.

وهنا بالضبط تكمن القضية التي أعاد مجدي الكرباعي وضعها على الطاولة.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى