الرئيسية آخر الأخبار تصنيف شنغهاي يضع الجامعات التونسية أمام سؤال صعب: أين نحن في سباق...

تصنيف شنغهاي يضع الجامعات التونسية أمام سؤال صعب: أين نحن في سباق البحث العلمي العالمي؟

0
9
blank

لا يتعلق الأمر هذه المرة بعدد الطلبة أو بعدد الجامعات أو بعدد الشهادات التي تمنحها مؤسسات التعليم العالي التونسية، وإنما بسؤال أكثر صعوبة: ما حجم الحضور الحقيقي للجامعة التونسية في خريطة البحث العلمي العالمي؟

هذا السؤال تطرحه من جديد نتائج التصنيف الأكاديمي العالمي للجامعات «شنغهاي»، المعروف باسم تصنيف شنغهاي للجامعات العالمية، وهو أحد أشهر التصنيفات الدولية التي تركز أساسا على الأداء البحثي للجامعات.

وتكمن أهمية هذا التصنيف بالنسبة إلى تونس في أن نتائجه تكشف، بصورة مختلفة عن التصنيفات التي تعتمد السمعة أو قابلية التشغيل أو جودة الخدمات الجامعية، مدى قدرة الجامعة التونسية على إنتاج أبحاث علمية ذات تأثير دولي.

تونس تملك جامعات قادرة على الظهور… لكن الاستمرارية هي المشكلة

تونس ليست غائبة عن تصنيف شنغهاي.

فـجامعة تونس المنار ظهرت ضمن قائمة أفضل ألف جامعة عالمية في إحدى نسخ التصنيف السابقة، وهو ما يؤكد أن الجامعة التونسية قادرة من حيث المبدأ على الوصول إلى هذه الدائرة العالمية.

كما تظهر جامعة صفاقس في قاعدة بيانات «تصنيف شنغهاي» ضمن المؤسسات التي يشملها تصنيف تصنيف شنغهاي للجامعات العالمية، وهو ما يعكس أيضا الوزن البحثي الذي أصبحت تتمتع به الجامعة على المستوى الوطني.

لكن الإشكال الذي ينبغي أن يشغل تونس ليس مجرد الظهور مرة واحدة في قائمة عالمية، وإنما القدرة على الحفاظ على هذا الحضور وتوسيعه.

فالتصنيف لا يقيس الجامعة باعتبارها مؤسسة تعليمية فقط، وإنما يبحث عن الجامعات التي تنتج المعرفة، وتملك باحثين ذوي تأثير، وتنشر أبحاثا في كبريات المجلات العلمية، وتحقق إنتاجا علميا مفهرسا وقابلا للاستشهاد على المستوى الدولي.

وهنا تحديدا تصبح المسألة أكثر تعقيدا.

ماذا يقيس «شنغهاي» فعلا؟

يعتمد تصنيف تصنيف شنغهاي للجامعات العالمية على ستة مؤشرات رئيسية، من بينها عدد خريجي الجامعة وأعضاء هيئتها الأكاديمية الذين تحصلوا على جوائز نوبل أو ميداليات فيلدز، وعدد الباحثين الأكثر استشهادا، وعدد الأبحاث المنشورة في مجلتي الطبيعة والعلوم، وحجم المنشورات المفهرسة في قواعد البيانات العلمية الدولية، إضافة إلى الأداء الأكاديمي للفرد.

وهذا يعني أن الترتيب لا يخبرنا بكل شيء عن جودة الجامعة التونسية.

لكنه يخبرنا بشيء مهم جدا: قدرتها على إنتاج البحث العلمي ذي التأثير العالمي.

ومن هذه الزاوية، تصبح النتائج بمثابة مرآة للمنظومة التونسية للبحث العلمي بأكملها.

المشكلة ليست في غياب الكفاءات

من الصعب تفسير موقع الجامعات التونسية بالقول إن تونس تفتقر إلى الباحثين أو الكفاءات العلمية.

فالجامعة التونسية راكمت على مدى عقود قاعدة مهمة من الأساتذة والباحثين والمخابر والمدارس الدكتورالية.

وتبرز جامعة تونس المنار نفسها مثالا على ذلك؛ إذ تشير بيانات تصنيف شنغهاي إلى امتلاكها 109 مخابر ووحدات بحثية وخمس مدارس دكتورالية، إلى جانب شبكة واسعة من اتفاقيات التعاون والمشاريع العلمية الدولية.

إذن، المشكلة ليست بالضرورة في غياب البنية العلمية.

السؤال الأصعب هو: لماذا لا تتحول هذه البنية والطاقات البشرية بصورة أكبر إلى إنتاج علمي عالمي عالي التأثير؟

من الجامعة التي تدرّس إلى الجامعة التي تنتج المعرفة

هذه ربما هي النقطة الأساسية التي يجب أن تفتح حولها تونس نقاشا جديا.

فالجامعة يمكن أن تكون ناجحة في تكوين آلاف الطلبة وتخريج أعداد كبيرة من الإطارات، لكنها لا تصبح بالضرورة جامعة بحثية ذات حضور عالمي.

التصنيف الأكاديمي العالمي يضع معيارا مختلفا تماما:

كم بحثا تنتج الجامعة؟

أين ينشر؟

كم مرة يستشهد به باحثون آخرون؟

كم باحثا تونسيا يوجد ضمن قائمة الباحثين الأكثر استشهادا؟

وهل توجد أبحاث تونسية قادرة على الوصول إلى المجلات العلمية الأكثر تأثيرا في العالم؟

هذه الأسئلة أكثر أهمية من ترتيب الجامعة في قائمة تعتمد على مؤشرات مختلفة.

تونس أمام تحدي «البحث العلمي المؤثر»

المشكلة التي ينبغي أن تناقشها تونس ليست فقط حجم الإنفاق على التعليم العالي، وإنما كيفية تحويل الإنفاق على البحث العلمي إلى نتائج قابلة للقياس دوليا.

فوجود عشرات المخابر لا يكفي إذا بقي إنتاجها العلمي محدود الانتشار.

ووجود آلاف الباحثين لا يكفي إذا لم تتحول أبحاثهم إلى اكتشافات وابتكارات ومنشورات تحظى باستشهاد دولي.

ووجود مدارس دكتورالية لا يكفي أيضا إذا لم يتمكن الدكتور والباحث الشاب من العمل داخل منظومة تمنحه الوسائل والإمكانات والحوافز اللازمة لإنتاج بحث تنافسي عالميا.

وهنا تصبح مسألة تمويل البحث العلمي، وتوفير التجهيزات، وتسهيل التعاون الدولي، وربط الجامعة بالمؤسسات الاقتصادية، وتشجيع الباحثين، عوامل أساسية وليست تفاصيل ثانوية.

جامعة تونس المنار وجامعة صفاقس… هل يمكن أن تكونا نقطة الانطلاق؟

وجود جامعات تونسية في قاعدة تصنيف شنغهاي للجامعات العالمية وفي قوائمها المنشورة يجب ألا يُقرأ باعتباره نهاية المطاف.

بل يمكن أن يكون نقطة انطلاق.

فجامعة تونس المنار تملك قاعدة بحثية كبيرة، بينما تتمتع جامعة صفاقس بحضور علمي وبحثي مهم، ويمكن أن تشكلا، إلى جانب جامعات تونسية أخرى، نواة لاستراتيجية وطنية تستهدف بناء عدد محدود من الجامعات البحثية ذات التميز الدولي بدلا من توزيع الإمكانات المحدودة بصورة متساوية على الجميع.

فليس المطلوب بالضرورة أن تدخل كل الجامعات التونسية قائمة أفضل ألف جامعة في العالم.

المطلوب هو أن تكون هناك جامعات تونسية قادرة على المنافسة فعليا في مجالات محددة، وأن يتحول التميز الفردي لبعض الباحثين والمخابر إلى قوة مؤسساتية مستدامة.

التحدي الحقيقي: كيف تنتقل تونس من الحضور إلى التقدم؟

التواجد في التصنيف مهم.

لكن البقاء فيه أهم.

والانتقال من الفئة الأخيرة إلى مراتب أعلى أصعب بكثير.

وهنا تحتاج تونس إلى سياسة جامعية وبحثية طويلة المدى، لا تتغير مع كل حكومة أو وزير.

سياسة تحدد المجالات التي تريد تونس أن تنافس فيها عالميا، وتوجه إليها التمويل والباحثين والبنية التحتية والتعاون الدولي.