تقييمات مناخية تشكّك في الجدوى البيئية لبعض مشاريع إنتاج بروتين الحشرات، ومخاطر الانتشار والتكلفة تفتحان ملفاً يتجاوز الروائح والأمونيا
في خضم الجدل المتواصل حول مشروع تربية ذبابة الجندي الأسود في منزل بوزلفة، تلقت «تونيزي تيليغراف» رداً من إنغريد سيغّرمان، مديرة البرامج في معهد الحشرات، عرضت فيه جملة من التحفظات العلمية والاقتصادية بشأن تربية الحشرات على نطاق صناعي، ولا سيما ما يتعلق بتأثيرها المناخي، وتكاليف إنتاجها، والمخاطر المحتملة لانتقالها إلى البيئة الطبيعية.
ويأتي هذا الرد في وقت تتواصل فيه تداعيات الجدل المحلي المحيط بمنشأة شركة «نيكست بروتين» في منزل بوزلفة، بعد احتجاجات وحريق ووفاة أوردتها وسائل إعلام تونسية، إلى جانب تقارير بشأن قرار سحب الترخيص الممنوح للمشروع.
وأوضحت سيغّرمان أنها لا تملك حالياً معلومات إضافية مؤكدة بشأن التطورات في تونس تتجاوز ما نشرته وسائل الإعلام المحلية، لكنها أحالت إلى عدد من الدراسات التي تناولت المخاطر المحتملة المرتبطة بالتربية الصناعية للحشرات.
هل بروتين الحشرات أفضل فعلاً للمناخ؟
من أبرز النقاط التي أثارها ردّ معهد الحشرات تقييم لدورة الحياة أُنجز سنة 2024 بطلب من الحكومة البريطانية. ووفقاً لما أوردته سيغّرمان، خلص التقييم إلى أن إنتاج يرقات ذبابة الجندي الأسود قد تكون له بصمة مناخية تصل إلى 13.5 مرة أعلى من الصوجا، وإلى 4.2 مرات أعلى من مسحوق السمك، بحسب مصادر الطاقة وظروف الإنتاج.
وتستدعي هذه الأرقام الرجوع إلى التقرير الأصلي للتحقق من طبيعة المنتجات التي جرت مقارنتها، ووحدات القياس المعتمدة، والافتراضات المتعلقة باستهلاك الطاقة والتدفئة، قبل تعميم النتائج على قطاع تربية الحشرات بأكمله.
فقدرة الحشرات على تحويل المواد العضوية المتبقية إلى بروتين لا تعني بالضرورة أن المنتج النهائي أقل تأثيراً على المناخ من جميع مصادر البروتين الأخرى. إذ تتوقف النتيجة على نوع المواد المستخدمة في التغذية، وكمية الطاقة المستهلكة، وطرق التجفيف والمعالجة، فضلاً عن طبيعة المنتج الذي سيعوضه بروتين الحشرات.
وفي سياق متصل، أدرجت مؤسسة «بروجكت دراوداون» ، في تقييم محدّث بتاريخ 3 سبتمبر 2026، تربية الحشرات لإنتاج الغذاء والأعلاف ضمن الحلول التي لا توصي حالياً بالاعتماد عليها باعتبارها استراتيجية فعالة للحد من التغير المناخي. واستند التقييم إلى تفاوت الانبعاثات، وارتفاع التكاليف، ومخاطر الانتشار في البيئة، ومحدودية الأدلة المستمدة من التطبيقات الفعلية واسعة النطاق.
ولا يعني ذلك أن تربية الحشرات لا يمكن أن تحقق فوائد في أي ظرف، بل إن مكاسبها المناخية لا يمكن افتراضها مسبقاً، وإنما ينبغي إثباتها من خلال تقييم الأثر البيئي للعملية الإنتاجية بكامل مراحلها.
التكلفة تطرح سؤالاً آخر
أثار ردّ سيغّرمان أيضاً مسألة القدرة التنافسية الاقتصادية، مستنداً إلى تقديراتتتراوح تكلفة طن بروتين الحشرات بين نحو 14 ألفاً و20 ألف دينار تونسي، مقابل أسعار أقل لمسحوق السمك وفيتورة السوجا المستخدمين في الأعلاف.
وترى مديرة البرامج في المعهد أن الفوارق السعرية قد تعكس صعوبات هيكلية في اقتصاديات الإنتاج، وليس فقط التحديات المعتادة التي تواجه صناعة ناشئة.
لكن هذه المقارنات تظل مرتبطة بتاريخ الأسعار، ومواصفات المنتجات، ومصادر البيانات المعتمدة، ولا تكفي وحدها للحكم على الجدوى الاقتصادية لمشروع بعينه. فذلك يتطلب الاطلاع على تكاليف الإنتاج الفعلية، وأسعار البيع، وحجم الاستثمار والدعم، وطبيعة المواد الأولية المستخدمة.
وفي حالة مشروع منزل بوزلفة، تظل الحاجة قائمة إلى معلومات موثقة بشأن نموذجه الاقتصادي، والأسواق المستهدفة، وكميات الإنتاج المنتظرة، ومصادر الطاقة والمواد العضوية التي يعتمد عليها.
مخاطر الانتشار لا تعني أن غزواً بيئياً وقع في تونس
تتمثل نقطة أخرى في الرد في احتمال هروب الحشرات من المنشآت الصناعية واستقرارها في البيئة الطبيعية.
وتستند هذه المخاوف، من بين مصادر أخرى، إلى أبحاث تناولت مخاطر الغزو البيولوجي المرتبطة بالتربية الصناعية للحشرات، فضلاً عن أبحاث أولية تداولت منذ سنة 2025 بشأن انتشار بعض الأنواع التي يجري تربيتها.
غير أن الأبحاث التي لم تخضع بعد للتحكيم العلمي ينبغي التعامل معها باعتبارها مؤشرات أولية، لا أدلة نهائية على تحقق الخطر في موقع محدد.
كما أن طرح احتمال الانتشار لا يثبت أن ذبابة الجندي الأسود قد هربت من منشأة منزل بوزلفة أو استقرت في محيطها. فإثبات ذلك يتطلب أدلة ميدانية وعمليات رصد بيئي خاصة بالموقع.
ومع ذلك، تفرض هذه المخاوف توضيح إجراءات الاحتواء المعتمدة، وطرق مراقبة اليرقات والحشرات البالغة، إلى جانب أساليب تخزين المواد الأولية والتصرف في المخلفات المتبقية عن الإنتاج.
هل من الأفضل استخدام الفضلات العضوية مباشرة في الأعلاف؟
وفي ملاحظة إضافية قد تفتح النقاش على زاوية أخرى، طرح الدكتور دستن كروميت، الحاصل على الدكتوراه والمدير التنفيذي لمعهد الحشرات، مسألة استخدام المواد العضوية المتبقية في تغذية الحيوانات.
وأوضح كروميت أن جزءاً من هذه المواد التي تعتمد عليها مزارع الحشرات يمكن، في حالات معينة، استخدامه مباشرة في تغذية حيوانات أخرى تربّى لأغراض إنتاجية، بدلاً من تمريره أولاً عبر الحشرات ثم استخدام الحشرات الناتجة في الأعلاف.
واستشهد في هذا السياق بدراسة علمية محكّمة منشورة عبر منصة «ساينس دايركت»، تتناول هذه المسألة من منظور كفاءة استخدام الموارد.
وبحسب هذا الطرح، إذا كانت المواد العضوية المستخدمة في مزرعة للحشرات صالحة وآمنة لتغذية حيوانات أخرى بصورة مباشرة، فقد يكون استخدامها على هذا النحو أكثر كفاءة، لأن تحويلها إلى غذاء للحشرات ثم استخدام الحشرات في الأعلاف يضيف مرحلة أخرى إلى السلسلة الغذائية.
ولا يعني هذا الطرح أن جميع المخلفات العضوية صالحة مباشرة لتغذية الحيوانات، إذ يتوقف الأمر على طبيعتها ومصدرها وسلامتها، فضلاً عن القواعد الصحية والبيئية المنظمة لاستخدامها. لكنه يثير سؤالاً أساسياً بشأن أفضل طريقة لاستغلال هذه المواد، من حيث الكلفة وكفاءة الموارد والأثر البيئي.
وأشار كروميت كذلك إلى وجود مبادرات في تونس تسعى إلى استخدام المواد العضوية المتبقية في أعلاف الحيوانات، مستشهداً بمبادرة «إيكوفيد» (EcoFeed)، التي تطرح الاقتصاد الدائري في خدمة الزراعة المستدامة.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في النقاش حول منزل بوزلفة: فإذا كانت المواد الأولية المتاحة قابلة للاستخدام المباشر في الأعلاف، فإن تقييم المشروع ينبغي ألا يقتصر على ما ينتجه من بروتين الحشرات، بل أن يشمل أيضاً مقارنة هذا المسار ببدائل أخرى لاستغلال المواد العضوية نفسها.
الدراسة العلمية:
https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S235255092400191X
مبادرة «إيكوفيد» في تونس:
https://www.eumedbridge.eu/story/ecofeed-circular-economy-at-the-service-of-sustainable-agriculture-in-tunisia/
أسئلة تتجاوز الروائح والأمونيا
تركز جانب كبير من النقاش بشأن المشروع على الروائح والانبعاثات والمخلفات واحتمال هروب الحشرات. لكن ردّ معهد الحشرات يضيف أبعاداً أخرى، في مقدمتها الأداء المناخي للتكنولوجيا والجدوى الاقتصادية، فضلاً عن السؤال المتعلق بأفضل استخدام للمواد العضوية المتاحة.
وفي المقابل، لا يمكن للأبحاث الدولية أن تحل محل القياسات الميدانية في منزل بوزلفة. فهي لا تثبت بمفردها وقوع تلوث محلي، مثلما لا يمكن الاستناد إلى الفوائد النظرية للتكنولوجيا لاستبعاد جميع الآثار البيئية المحتملة.
وتظل الأدلة الأكثر أهمية هي نتائج قياسات جودة الهواء، ومستويات الأمونيا والانبعاثات الأخرى، وطرق إدارة المياه المستعملة والمخلفات، ومصادر الطاقة، ومدى الالتزام بشروط الترخيص البيئي ومتطلبات المراقبة.
ومن شأن نشر الوثائق الفنية المتاحة وتوضيح الإجراءات التي اتخذتها الجهات المعنية أن يساعد السكان على فهم الوضع استناداً إلى معلومات قابلة للتحقق.
التحدي في منزل بوزلفة ليس إثبات أن تربية الحشرات خطرة بطبيعتها، ولا التسليم بأنها حل بيئي سليم تلقائياً. بل يتمثل في التحقق مما إذا كان هذا المشروع تحديداً قادراً على تحقيق الفوائد المعلنة، وما إذا كانت مخاطره المحتملة قد قُيّمت بصورة كافية وخضعت للمراقبة، وما إذا كان استغلال المواد العضوية عبره هو الخيار الأكثر كفاءة مقارنة بالبدائل المتاحة.
(The Insect Institute)
معهد الحشرات هو منظمة غير ربحية تُعنى بتقديم توصيات ومراجعات علمية تستند إلى الأدلة والبحوث الأكاديمية بشأن تربية الحشرات واستخدامها في إنتاج الغذاء والأعلاف
يهدف المعهد بشكل أساسي إلى مساعدة صناع القرار، المستثمرين، المنظمات غير الحكومية، والجمهور، من خلال تزويدهم بحقائق تدعم بناء نظام غذائي مستدام يحافظ على الصحة العامة، ورفاهية الحيوان.
ويمكن تلخيص أبرز جوانب عمل المعهد في النقاط التالية:
- تقييم المزايا البيئية والغذائية: على الرغم من الترويج الواسع لتربية الحشرات كحل مستدام لتلبية الطلب العالمي على البروتين، فإن البحوث المشتركة التي يجريها المعهد مع باحثين دوليين تشير إلى أن فوائد هذه الصناعة قد تكون مبالغًا فيها في بعض الجوانب.
- معالجة التحديات والمخاوف: يركز المعهد على دراسة قضايا حيوية مثل مدى تقبل المستهلكين لأطعمة الحشرات، والتأثيرات البيئية الفعلية، والتأثير على سلاسل التوريد الغذائية.
- دعم السياسات العامة: يسعى المعهد عبر نهجه العلمي المعتمد على الأدلة إلى توجيه السياسات نحو خيارات إنتاج بروتين تخدم الصالح العام وتتسم بالشفافية.
