الرئيسية آخر الأخبار توفيق الباهي… رحيل مهندس الحلم السينمائي الذي بنى عوالم الأفلام من خلف...

توفيق الباهي… رحيل مهندس الحلم السينمائي الذي بنى عوالم الأفلام من خلف الكاميرا

0
361
blank

توفي رجل السينما التونسية توفيق الباهي، أحد الأسماء التي تركت بصمتها في المشهد السينمائي التونسي والعربي والدولي، ليس كممثل أو مخرج، بل كصانع عوالم، رجل وقف خلف الكاميرا ليمنح الأفلام فضاءاتها وروحها وتفاصيلها.

يقول توفيق الباهي في حوار مع موقع الجزبيرة نت أنه يعتبر نفسه قبل كل شيء مهندس ديكور ونحاتا، وهي مهنة رآها امتدادا لشغفه بالفن والهندسة والبحث عن الجمال. وقد روى في أكثر من مناسبة مسيرته غير التقليدية، التي بدأت بعيدا عن السينما، قبل أن تقوده المصادفة إلى عالمها.

بعد حصوله على شهادة البكالوريا، تم توجيهه إلى دراسة الطب في تونس، لكنه لم يجد نفسه في هذا الاختصاص، فغادر كلية الطب بعد سبعة أشهر فقط، مؤمنا بأن الإنسان لا يمكن أن ينجح في مجال لا يحبه. اختار بعدها طريقه الحقيقي، فدرس الهندسة المعمارية في فرنسا، كما تلقى تكوينا في المونتاج السينمائي، جامعًا بين الحس الهندسي والذائقة الفنية.

وعند عودته إلى تونس، لم تكن فرص العمل في الهندسة المعمارية متاحة بالشكل الذي كان يطمح إليه، فوجد نفسه يتجه نحو السينما، وتحديدا مجال الإنتاج، حيث قضى حوالي 15 سنة، قبل أن يجد طريقه الطبيعي نحو تصميم الديكور السينمائي.

لم يكن دخول توفيق الباهي إلى عالم السينما غريبا، فقد نشأ في عائلة مرتبطة بهذا الفن، إذ كان شقيقه المخرج رضا الباهي أحد أبرز الأسماء السينمائية التونسية، كما سار بقية أفراد العائلة في الاتجاه نفسه. وكانت السينما بالنسبة إليه جزءا من المحيط الذي تربى فيه، قبل أن تتحول لاحقا إلى مسار مهني وحياة كاملة.

بداية الحلم سنة 1996

اعتبر توفيق الباهي أن سنة 1996 كانت محطة مفصلية في حياته، إذ حقق حلمه بالعمل في السينما بصفته مساعد مهندس ديكور في فيلم إيطالي، وهي الفرصة التي وصفها بالذهبية لأنها فتحت أمامه بابا جديدا نحو عالم تصميم الفضاءات السينمائية.

ومنذ ذلك التاريخ، انطلقت مسيرة طويلة جعلته يشارك في عشرات الإنتاجات، حيث تجاوز رصيده أربعين فيلما بين تونسي وعربي وأجنبي.

اشتغل في أفلام مهمة من بينها أعمال للمخرج عبد اللطيف بن عمار مثل « نغم الناعورة » و »أمينة » و »النخيل الجريح »، كما شارك في فيلم « زهرة حلب » لشقيقه رضا الباهي، و »السنونو لا يموت في القدس »، والفيلم التونسي الجزائري « أغسطينوس ابن دموعها » الذي توج بجائزة الإنجاز الفني في مهرجان الإسكندرية.

من تونس إلى العالم

لم تقتصر تجربة توفيق الباهي على السينما التونسية، بل خاض تجارب عديدة مع مخرجين عرب وأجانب، وكان يحمل معه دائما رؤيته الخاصة في بناء الصورة السينمائية، مستفيدا من خلفيته الهندسية والفنية.

تحدث عن تجربته مع المخرج السوري محمد ملص في فيلم « المهد »، ومع المخرج الجزائري أحمد راشدي في فيلم « كولونيل لطفي ».

كما كانت له تجربة في السينما الأمريكية من خلال فيلم « الموعد الأخير » (Deadline)، لم يكتف فيها بتصميم الديكور، بل خاض تجربة التمثيل أيضا، حيث أدى دور الرئيس اللبناني أمين الجميل.

وشارك كذلك في الفيلم الفرنسي « فيلا الياسمين » للمخرج التونسي فريد بوغدير، وفيلم « المندس » للمخرج الفرنسي تيري دي بريتي، و »الشمس المقتولة » للمخرج الجزائري عبد الكريم بهلول، إضافة إلى تجربة في السينما الألمانية عبر فيلم « الأصدقاء الخمسة ».

الديكور… صناعة الذاكرة

كان توفيق الباهي يرى أن أصعب ما في مهنة مهندس الديكور هو القدرة على إعادة خلق عوالم غير موجودة، سواء تعلق الأمر بفترة تاريخية قديمة أو بمشاهد الحرب والصراعات.

وكان يعتبر أن الديكور ليس مجرد خلفية للأحداث، بل عنصر أساسي في بناء الفيلم، لأنه يحمل جزءا من ذاكرة الشخصيات وروح المكان والزمن.

إشعاع صنعته الحرفة

وعندما سئل عن سر وصول اسمه إلى العالمية، كان يرد دائما بأن البداية كانت محض صدفة، قبل أن تتحول أعماله إلى بطاقة تعريف به.

وقال إن العمل المتقن والشغف بالصنعة التي يحبها الإنسان قادران على فتح الأبواب، وإن التوصيات التي كانت تصل إليه من مخرجين ومنتجين لم تكن دائما معلومة المصدر، لكنها كانت نتيجة طبيعية لما قدمه من أعمال.

برحيل توفيق الباهي تفقد السينما التونسية أحد أولئك الفنانين الذين لم يبحثوا عن الأضواء، لكنهم صنعوا جزءا كبيرا من جمالها. فقد كان الرجل الذي يبني الأمكنة التي تعيش فيها الحكايات، ويمنح الأفلام ذاكرتها البصرية، قبل أن يترك خلفه إرثا فنيا سيبقى شاهدا على موهبة تونسية عبرت الحدود.