السؤال يبدو بسيطاً، لكنه ربما من أكثر الأسئلة إلحاحاً في لحظة تونسية تتعدد فيها الأزمات والمشاريع والبرامج، من دون أن تبدو دائماً الصورة الكبرى واضحة: أي تونس نريد أن نبني؟
الأستاذ الجامعي والناشط السياسي هشام سكيك يطرح المسألة من زاوية مختلفة عن السجال السياسي اليومي، بعيداً عن المواقف الحزبية أو تقييم الأشخاص. فبرأيه، المشكلة لا تكمن بالضرورة في أن تونس لا تملك خططاً أو استراتيجيات، إذ توجد مخططات للتنمية واستراتيجيات قطاعية في السياحة والطاقة والرقمنة والصناعة وغيرها.
لكن السؤال الأهم هو: هل توجد رؤية وطنية جامعة تربط كل هذه المشاريع ببعضها وتقول للتونسيين بوضوح إلى أين تتجه البلاد؟
السعودية 2030… الإمارات 2071… فأين تونس؟
يكفي النظر إلى عدد من التجارب المقارنة لفهم أهمية السؤال.
السعودية تتحدث باستمرار عن «رؤية السعودية 2030»، بما تحمله من أهداف تتعلق بتنويع الاقتصاد والاستثمار والسياحة والثقافة والرياضة والتكنولوجيا والمشاريع الكبرى.
الإمارات ذهبت أبعد زمنياً من خلال «مئوية الإمارات 2071»، فيما تعتمد قطر «الرؤية الوطنية 2030»، وسلطنة عمان «رؤية عمان 2040»، ورواندا «رؤية 2050».
قد يختلف المراقبون حول هذه التجارب، وقد تكون هناك انتقادات مشروعة لبعض اختياراتها أو نتائجها، لكن هناك نقطة يصعب تجاهلها: هذه الدول لا تكتفي بالتخطيط للمستقبل، وإنما تحاول أيضاً رواية المستقبل.
وهنا يكمن الفرق.
فالرؤية الوطنية ليست مجرد أرقام ومؤشرات وميزانيات ووثائق حكومية. إنها أيضاً سردية وطنية.
سردية تقول للمواطن: إلى أين نمضي؟
وتقول للشاب: أين سيكون موقعك في تونس المستقبل؟
وتقول للمستثمر: هذه هي الدولة التي نريد بناءها.
وتقول للعالم: هذا هو موقع تونس الذي نطمح إليه.
المشكلة ليست غياب المشاريع… بل غياب الرابط بينها
تونس ليست بلداً بلا خطط.
هناك مشاريع واستراتيجيات في قطاعات مختلفة، وهناك برامج حكومية وأهداف معلنة، وهناك مؤسسات تخطط وتنفذ.
لكن الإشكال الذي يطرحه سكيك هو أن كل قطاع يمكن أن يمتلك رؤيته الخاصة، بينما تظل الصورة الوطنية الكبرى غامضة.
وزارة تخطط للطاقة.
وأخرى للسياحة.
وأخرى للرقمنة.
وأخرى للصناعة.
وأخرى للنقل.
وأخرى للثقافة.
لكن من يجمع كل ذلك في صورة واحدة ويقول: هذه هي تونس التي نريد أن نصل إليها سنة 2040؟
السؤال هنا ليس تقنياً فقط، بل سياسي واقتصادي وثقافي واجتماعي في الوقت نفسه.
لأن المشاريع، مهما كانت أهميتها، لا تتحول تلقائياً إلى مشروع وطني.
أي تونس نريد في 2040؟
هل تريد تونس أن تصبح قوة متوسطية في الاقتصاد الإبداعي والثقافة؟
هل تريد أن تكون مركزاً إقليمياً للتكنولوجيا والخدمات؟
هل تريد أن تكون بوابة استراتيجية بين أوروبا وإفريقيا؟
هل تريد إعادة بناء نموذجها السياحي ليصبح أكثر تنوعاً وقيمة مضافة؟
هل تريد أن تتحول إلى قطب لصناعة السيارات الكهربائية ومكوناتها؟
هل تريد أن تصبح مركزاً إقليمياً في الطاقات المتجددة؟
أم تريد مزيجاً من كل ذلك؟
لا توجد مشكلة في أن تكون الإجابة مزيجاً من عدة أهداف، لكن المشكلة تبدأ عندما لا تكون هناك إجابة واضحة أصلاً.
فالدول لا تبني المستقبل بالبنية التحتية وحدها.
الموانئ والطرقات والمناطق الصناعية ومراكز التكنولوجيا ضرورية، لكنها لا تكفي.
المستقبل يبنى أيضاً بالأفكار، وبالخيال، وبالقدرة على إقناع المجتمع بأن ما يبدو اليوم بعيداً يمكن أن يصبح غداً واقعاً.
الثقافة ليست ترفاً… بل جزء من مشروع الدولة
وهنا تأتي النقطة الأكثر إثارة في هذا الطرح.
الثقافة، في هذا التصور، ليست مجرد مهرجانات وحفلات وبرامج ترفيهية.
الفن والسينما والأدب والإعلام والتصميم والعمارة والرياضة والصناعات الإبداعية وحتى الطريقة التي تقدم بها تونس نفسها للعالم، كلها يمكن أن تصبح أدوات لبناء صورة تونس المستقبل.
فكيف يمكن لشاب تونسي أن يتحمس لمشروع وطني طويل المدى إذا لم يستطع أصلاً أن يتخيل كيف ستكون حياته بعد عشر أو عشرين سنة؟
وكيف يمكن جذب المستثمر الأجنبي إذا كانت الدولة لا تقدم فقط فرصاً استثمارية متفرقة، وإنما لا تقدم معها صورة واضحة عن الاقتصاد الذي تريد بناءه؟
وكيف يمكن أن تتحول تونس إلى علامة دولية إذا ظلت صورتها الخارجية مرتبطة أساساً بالماضي، في حين أن المستقبل يحتاج إلى قصة جديدة؟
تونس تحتاج إلى «قصة» عن نفسها
ربما يكون هذا هو جوهر النقاش.
تونس لا تحتاج بالضرورة إلى وثيقة جديدة تحمل عنواناً جديداً وتضاف إلى عشرات الوثائق الموجودة.
ما تحتاجه هو رؤية يمكن أن يفهمها المواطن العادي.
رؤية يستطيع الطالب أن يعرف من خلالها ما هي فرصه.
ويستطيع المستثمر أن يفهم من خلالها القطاعات التي ستراهن عليها الدولة.
ويستطيع الفنان أن يجد فيها مكاناً.
ويستطيع المهندس والعالم والباحث ورائد الأعمال أن يعرفوا أين يمكن أن تكون مساهمتهم.
وتستطيع الدولة من خلالها أن تخاطب العالم بلغة واضحة: هذه تونس التي نريد أن نكونها.
السؤال الذي لا يمكن تأجيله
في النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل لدى تونس مشاريع؟
بل:
هل لدى تونس مشروع للمستقبل؟
والفرق كبير بين الاثنين.
قد تمتلك الدولة مئات المشاريع، لكنها تظل عاجزة عن إنتاج رؤية متماسكة إذا لم تكن هذه المشاريع مرتبطة بهدف وطني واضح.
وقد تكون لديها إمكانيات بشرية وجغرافية وثقافية وتاريخية هائلة، لكن هذه الإمكانيات تحتاج إلى اتجاه.
لذلك، فإن السؤال الذي يستحق أن يتحول إلى نقاش وطني ليس من سيحكم تونس غداً، ولا من سيقود هذه الوزارة أو تلك، وإنما:
أي تونس نريد أن نبني خلال العشرين سنة المقبلة؟
وعندما تكون الإجابة واضحة، يمكن تحويلها إلى سياسات واقتصاد واستثمارات وتعليم وثقافة وبنية تحتية.
لكن الأهم من كل ذلك هو تحويلها إلى سردية يؤمن بها التونسيون.
لأن البلاد التي لا تروي مستقبلها لأبنائها وللعالم، قد تجد نفسها في نهاية المطاف أمام مستقبل يرويه ويصنعه الآخرون نيابة عنها.



