الرئيسية أخبار تونس المجلس الأعلى للتربية والتعليم: لماذا تطرح تركيبته كل هذه الأسئلة؟

المجلس الأعلى للتربية والتعليم: لماذا تطرح تركيبته كل هذه الأسئلة؟

0
1
blank

من المفترض أن يكون المجلس الأعلى للتربية والتعليم واحدا من أهم العقول الاستشارية في الدولة، وأن يتحول إلى فضاء لصياغة الرؤية الاستراتيجية التي ستحدد مستقبل المدرسة والجامعة والتكوين والبحث العلمي في تونس.

فالتربية والتعليم ليسا ملفين إداريين عاديين، بل قطاعان وصفهما رئيس الجمهورية قيس سعيّد صراحة بأنهما من «قطاعات السيادة»، مؤكدا أن أي إصلاح فيهما يحتاج إلى رؤية شاملة، وأن نتائج الإصلاح لا تظهر إلا بعد سنوات وعقود.

ومن هنا تحديدا يبدأ السؤال الذي يستحق أن يطرح اليوم: بأي معايير تم اختيار أعضاء الهيئة العليا للمجلس الأعلى للتربية والتعليم؟

السؤال لا يتعلق بالتشكيك في قيمة الأشخاص أو في مساراتهم المهنية، ولا يمكن اختزال الكفاءة العلمية في عدد المقالات المنشورة على غوغل سكولَر. فهناك باحثون لا تظهر أعمالهم كاملة في هذه القاعدة، وهناك اختصاصات، خصوصا في العلوم الإنسانية والفنون، لها أشكال متعددة من الإنتاج العلمي والثقافي لا تختزل في المقالات المفهرسة.

لكن، في المقابل، فإن غياب قاعدة بيانات معلنة توضح للرأي العام معايير الاختيار، والاختصاصات المطلوبة، والخبرة العلمية أو المهنية التي استند إليها التعيين يطرح مشكلة حقيقية.

فإذا كان المجلس الأعلى للتربية والتعليم يراد له أن يكون العقل الاستراتيجي للدولة في مجال التربية، فمن حق التونسيين أن يعرفوا: لماذا اختير هذا الخبير دون غيره؟ وما الذي يضيفه كل عضو إلى تركيبة المجلس؟ وهل تم اعتماد معيار الخبرة في التربية، أم البحث العلمي، أم الإدارة التربوية، أم العلوم الاجتماعية، أم الثقافة، أم التجربة المهنية؟

ليست المشكلة في غوغل سكولَر

البحث الأولي في السير العلمية للأعضاء يعطي صورة أكثر تعقيدا مما قد يوحي به الانطباع الأول.

فالتيجاني القماطي، مثلا، له مسار مهني في التربية والتفقد البيداغوجي، وهو مجال يرتبط مباشرة بالمنظومة التعليمية. لذلك لا يصح اختزاله في سؤال عدد مقالاته العلمية فقط.

أما يوسف بن عثمان، فتوجد مؤشرات رسمية على حضوره في المجال الأكاديمي، إذ تدرج صفحة الهيكل الإداري لمعهد تونس للترجمة اسمه ضمن أعضاء المجلس العلمي بصفته «أستاذ تعليم عال».

وهنا يصبح السؤال أكثر دقة: ما طبيعة الخبرة التي جعلته عضوا في الهيئة العليا؟ هل هي خبرة أكاديمية في الاقتصاد والعلوم الاجتماعية؟ وهل هناك إنتاج أو خبرة محددة مرتبطة بإصلاح التعليم تجعل وجوده داخل هذه الهيئة ذا قيمة مضافة؟

أما محمد سيف الله بن عبد الرزاق، فهنا تحديدا ينبغي تصحيح أي حكم قطعي بشأن غياب النشاط البحثي.

فالرجل أستاذ محاضر في العلوم الموسيقية بجامعة تونس، وقد شارك في ندوات علمية متخصصة، كما نشر منذ سنوات دراسة بعنوان «توظيف الإعلامية في خدمة الموسيقى العربية» في مجلة البحث الموسيقي.

وليس ذلك فقط، فقد شارك أيضا في إعداد ملف الأرشيف الموسيقي التونسي الذي تم تقديمه إلى اليونسكو لإدراجه في سجل «ذاكرة العالم»، كما ورد اسمه ضمن المساهمين في إعداد الملف بصفته أستاذا محاضرا في العلوم الموسيقية بجامعة تونس.

وفي السنوات الأخيرة واصل نشاطه الأكاديمي؛ ففي ندوة علمية حول الأرشيف الموسيقي سنة 2023 تولى تنسيق الندوة العلمي، وقدم باحثون خلالها أعمالا مرتبطة بالتراث الموسيقي التونسي.

بل إن منشورا حديثا حول كتاب جماعي في الموسيقى بالمدن والجهات التونسية يذكر دراسة له بعنوان «موسيقى مناطق تونس من خلال التسجيلات التي جمعها فولفغانغ لاده سنة 1960. »

إذن، لا يمكن القول إنه بلا نشاط بحثي. لكن يمكن طرح سؤال آخر مشروع تماما: هل هذه الخبرة الموسيقية، على أهميتها، تبرر وحدها عضوية هيئة عليا ستنظر في مستقبل منظومة التربية والتعليم بكل مراحلها؟ وما هو الدور الذي يفترض أن يؤديه اختصاص العلوم الموسيقية داخل هذه الهيئة؟

وهنا نصل إلى جوهر المسألة.

أين المعايير؟

إذا كانت تركيبة المجلس مقصودة لتكون متعددة الاختصاصات، فهذا أمر مفهوم ومبرر.

بل إن وجود متخصص في الموسيقى يمكن أن يكون مفيدا عندما يتعلق الأمر بالتربية الفنية، والهوية الثقافية، والتعليم الموسيقي، وتنمية الإبداع. لكن ذلك يفترض أن يكون التكامل بين الاختصاصات معلنا ومقصودا، لا أن يترك للرأي العام مهمة تخمين فلسفة التركيبة.

المطلوب إذن ليس إسقاط عضو أو الدفاع عن عضو.

المطلوب هو نشر السيرة العلمية والمهنية الكاملة لكل عضو، ومبررات اختياره، ومجال مساهمته المنتظر داخل المجلس.

فلماذا لا تنشر الجهة التي عينت الأعضاء ملفا تعريفيا يوضح اختصاص كل واحد منهم، وشهاداته، وخبرته، وأعماله المنشورة، ومسؤوليته المهنية، والمجال الذي سيمثله في إصلاح التربية والتعليم؟

ذلك سيكون أفضل كثيرا من ترك المجال للتأويلات.

المجلس ليس مجرد قائمة أسماء

المجلس الأعلى للتربية والتعليم لم يظهر من فراغ. فقد نص عليه دستور 25 جويلية 2022، وكانت رئاسة الجمهورية قد بدأت منذ 2023 العمل على النص المنظم له، مع التأكيد على أن الإصلاح يجب أن يكون شاملا لكل مراحل التعليم.

وفي سنة 2023 تحدثت رئاسة الجمهورية عن ضرورة إشراك مختصين في علم الاجتماع في مسار إعداد مشروع الإصلاح، فيما أعلنت وزارة التربية لاحقا أن الاستشارة الوطنية حول إصلاح التعليم ستكون منطلقا لتشخيص المنظومة وضبط مخرجاتها.

وهذا يعني أن فلسفة المجلس يفترض أن تقوم على التعدد والتكامل والخبرة.

لكن التعدد لا ينبغي أن يتحول إلى غموض في المعايير.

فوجود أستاذ جامعي لا يعني تلقائيا أنه خبير في إصلاح التعليم، كما أن وجود متفقد تربوي لا يعني بالضرورة امتلاكه خبرة في السياسات العمومية، ووجود موسيقي أو باحث في الفنون لا يعني تلقائيا أنه متخصص في هندسة المنظومات التعليمية.

كل واحد من هؤلاء يمكن أن يكون مهما، لكن السؤال هو: ما المهمة التي اختير من أجلها؟

وماذا عن الكاتب العام؟

ينطبق السؤال نفسه على الكاتب العام للمجلس الأعلى للتربية والتعليم.

فالخبرة النقابية، مهما كانت طويلة، تمثل تجربة مهنية وسياسية واجتماعية، لكنها ليست في حد ذاتها بديلا عن الخبرة العلمية أو البيداغوجية أو البحثية.

والعكس صحيح أيضا: الباحث الأكاديمي الممتاز قد لا يكون بالضرورة مديرا ناجحا لمؤسسة عمومية.

لهذا فإن الحكم على الأشخاص يجب أن يبتعد عن منطق «معه شهادة إذن هو كفء» أو «ليس له غوغل سكولَر إذن لا قيمة له».

الكفاءة متعددة الأبعاد، لكن يجب أن تكون قابلة للتفسير.

وهذه هي الحلقة المفقودة في النقاش الحالي.

السؤال الذي لا يمكن الهروب منه

إذا كانت الدولة تريد من المجلس الأعلى للتربية والتعليم أن يقود إصلاحا جذريا لمنظومة ستحدد مستقبل ملايين التونسيين، فإن السؤال المشروع ليس: هل فلان نشر ثلاثة مقالات أم عشرة؟

السؤال هو:

ما هي المعايير التي اعتمدت لاختيار هذه النخبة بالذات؟

ومن حق الرأي العام أن يعرف الإجابة.

فإذا كانت المعايير واضحة، فلتُنشر.

وإذا كان لكل عضو مجال خبرة محدد، فليُعلن.

وإذا كانت التركيبة مقصودة لتجمع بين التربية والاقتصاد والاجتماع والفنون والإدارة والخبرة المهنية، فلتشرح الدولة فلسفة هذا الاختيار.

أما أن تُعلن الأسماء ثم يترك المجتمع يبحث منفردا عن سير أصحابها العلمية والمهنية، فهذا لا يخدم المجلس ولا يخدم أعضائه.

بل إن نشر هذه المعايير سيكون في مصلحة الجميع، لأنه سيضع حدا للتأويلات ويمنع تحويل النقاش من نقد المعايير إلى التجريح في الأشخاص.

وفي النهاية، لا يكفي أن نقول إن المجلس الأعلى للتربية والتعليم يضم «كفاءات وطنية».

في مؤسسة يفترض أن ترسم مستقبل المدرسة والجامعة التونسية، يجب أن يكون السؤال أكثر دقة:

كفاءات في ماذا؟ وبأي معيار؟ ولماذا اختيرت هي بالذات؟

ذلك هو السؤال الحقيقي الذي يستحق أن يجيب عنه المجلس والدولة، قبل أن يطلبا من التونسيين الثقة في مشروع إصلاح سيحدد مستقبل أجيال كاملة.