أكثر من 98% من التجارة الخارجية التونسية تمر عبر البحر، خلف كل سفينة ترسو وكل حاوية تدخل أو تغادر البلاد منظومة كاملة من المؤسسات العمومية والمتعاملين الخواص. فمن يدير هذه المنظومة؟ ومن يتولى التنظيم والنقل والمناولة؟ وأين يتمركز النفوذ الحقيقي داخل الموانئ التونسية؟
لا يمكن فهم التجارة الخارجية التونسية من دون التوقف عند الموانئ، فهي تمثل البوابة الرئيسية التي تعبر منها السلع والبضائع من وإلى البلاد. وتضم المنظومة المينائية التجارية التونسية سبعة موانئ رئيسية هي بنزرت، حلق الوادي، رادس، سوسة، صفاقس، قابس وجرجيس، إلى جانب ميناء الصخيرة ذي الطبيعة النفطية.
وبحسب معطيات نشرها مصدر متخصص في النقل البحري تحت عنوان «من يدير بوصلة الموانئ التونسية؟ خريطة الفاعلين الكبار في الشحن والمناولة البحرية»، فإن أكثر من 98% من التجارة الخارجية التونسية تمر عبر موانئها التجارية، وهو ما يجعل كفاءة هذه الموانئ مرتبطة بصورة مباشرة بالأمن الاقتصادي للبلاد، وبقدرتها على التوريد والتصدير وتأمين سلاسل الإمداد.
أربعة أطراف رئيسية تحرك الموانئ
خلف الحركة اليومية للسفن والبضائع توجد منظومة متعددة الأطراف، لكل طرف فيها وظيفة مختلفة.
في مقدمة هذه المنظومة يأتي ديوان البحرية التجارية والموانئ، باعتباره الجهة المرفئية والتنظيمية، ثم الشركة التونسية للملاحة باعتبارها الناقل البحري الوطني، والشركة التونسية للشحن والترصيف باعتبارها أحد أبرز الفاعلين في مجال المناولة، إلى جانب المتعهدين الخواص الذين ينشطون في عدد من الموانئ.
وبالتالي، فإن السؤال عن «من يدير الموانئ التونسية؟» لا يمكن اختزاله في مؤسسة واحدة، لأن منظومة الموانئ تقوم على توزيع الأدوار بين التنظيم والبنية التحتية والنقل البحري والمناولة والخدمات اللوجستية.
ديوان البحرية التجارية والموانئ… السلطة التي تدير الفضاء المينائي
يمثل ديوان البحرية التجارية والموانئ أحد أهم مفاتيح المنظومة.
فهو الجهة التي تتولى إدارة وتطوير البنية التحتية للموانئ التجارية، باستثناء ميناء الصخيرة النفطي، كما يضطلع بمهام مرتبطة بتنظيم النشاط المينائي وضمان شروط السلامة والأمن البحري وتسهيل حركة السفن والبضائع.
وبذلك يمكن وصف الديوان بأنه العقل التنظيمي والمرفئي للمنظومة، فهو لا يعمل باعتباره ناقلًا للبضائع، ولا شركة مناولة، وإنما يشرف على الإطار الذي تتحرك داخله مختلف الأطراف.
وهذه الوظيفة تجعل أداءه بالغ الأهمية، لأن أي خلل في البنية التحتية أو التنظيم أو الإجراءات يمكن أن ينعكس في النهاية على زمن انتظار السفن وعلى سرعة خروج البضائع وعلى كلفة التجارة الخارجية.
الشركة التونسية للملاحة… الناقل الوطني
في الجهة الأخرى توجد الشركة التونسية للملاحة، التي تأسست سنة 1959 وتمثل الناقل البحري الوطني.
وتؤمن الشركة خطوطًا منتظمة لنقل المسافرين والبضائع والمقطورات، خاصة بين تونس ومينائي مرسيليا وجنوة، إضافة إلى خطوط للشحن التجاري باتجاه موانئ أوروبية، من بينها برشلونة وليفورنو، وفق المعطيات الواردة في المصدر.
ولا تقتصر أهمية الشركة على الجانب التجاري، إذ يمثل وجود ناقل بحري وطني جزءًا من السيادة اللوجستية لتونس، خصوصًا في ظل اضطرابات النقل البحري العالمية وتقلب تكاليف الشحن وتغير مسارات الملاحة.
فالدولة التي تعتمد بصورة كبيرة على البحر في تجارتها الخارجية تحتاج إلى قدرة نقل بحرية وطنية تضمن جزءًا من استمرارية هذا الربط.
الشركة التونسية للشحن والترصيف… أين تبدأ المناولة؟
إذا كان ديوان البحرية التجارية والموانئ يتولى الجانب المرفئي والتنظيمي، والشركة التونسية للملاحة تتولى النقل البحري، فإن الشركة التونسية للشحن والترصيف توجد في قلب مرحلة أخرى شديدة الحساسية: المناولة.
والمقصود بالمناولة عمليات الشحن والتفريغ والترصيف والتعامل مع البضائع داخل الميناء، وهي مرحلة يمكن أن تحدد بدرجة كبيرة سرعة دوران السفن والبضائع.
وبحسب المصدر، تعتبر الشركة التونسية للشحن والترصيف المشغل التاريخي وأحد الأعمدة الرئيسية للمناولة في تونس، من خلال شبكة من الفروع تغطي مختلف الموانئ التجارية.
وتستأثر الشركة بالنشاط الكامل للمناولة في ميناء حلق الوادي، كما تتولى إدارة وتطوير محطة الحاويات بميناء رادس في إطار عقد امتياز.
وهذه النقطة بالذات تجعل الشركة طرفًا محوريًا في حركة الحاويات والمقطورات داخل البلاد.
ميناء رادس… العقدة الأكثر حساسية
عند الحديث عن المناولة في تونس، يصعب تجاوز ميناء رادس.
فالميناء يمثل شريانًا رئيسيًا لحركة الحاويات والمقطورات، وبالتالي فإن أداء محطة الحاويات فيه لا يتعلق فقط بالميناء نفسه، وإنما يمتد تأثيره إلى المؤسسات الاقتصادية التي تنتظر المواد الأولية والمعدات والتجهيزات، وإلى المصدرين الذين يحتاجون إلى إخراج منتجاتهم نحو الأسواق الخارجية.
ولهذا فإن أي تأخير في هذه الحلقة يمكن أن يتحول إلى تكلفة إضافية على الشركات، سواء من خلال طول فترة انتظار البضائع أو ارتفاع تكاليف التخزين أو تعطّل سلاسل الإنتاج والتوزيع.
ومن هنا، فإن أداء ميناء رادس ليس مسألة مرفئية بحتة، بل قضية مرتبطة مباشرة بتنافسية الاقتصاد التونسي.
القطاع الخاص يدخل على الخط
المشهد لا يقتصر على المؤسسات العمومية.
ففي موانئ بنزرت وسوسة وصفاقس وقابس وجرجيس، تنشط شركات ومجمعات خاصة في مجال المناولة إلى جانب الشركة التونسية للشحن والترصيف.
ومن الناحية الاقتصادية، يفترض أن يساهم تعدد المتعاملين في رفع المنافسة، وتنويع الخدمات، وتحسين الكفاءة، وتوفير خيارات أكثر للمتعاملين الاقتصاديين.
لكن وجود القطاع الخاص يطرح في الوقت نفسه سؤالًا جوهريًا حول مدى نجاح هذه المنافسة في تحقيق الهدف النهائي: تقليص كلفة ومدة عبور البضائع ورفع القدرة التنافسية للموانئ التونسية.
فالمؤسسة الاقتصادية لا يعنيها فقط عدد المتدخلين، وإنما النتيجة النهائية: متى تصل بضائعها؟ وكم تكلفها عملية العبور؟ وكم تستغرق السفينة في الميناء؟
الميناء ليس مجرد رصيف… بل جزء من الاقتصاد
تكمن خطورة أي خلل في الموانئ في أن أثره لا يبقى داخل حدود الميناء.
المصنع الذي ينتظر مواد أولية مستوردة مرتبط بالميناء.
والمصدر الذي يريد الوصول إلى الأسواق الأوروبية مرتبط بالميناء.
والمؤسسة التي تستورد معدات وتجهيزات مرتبطة بالميناء.
وحتى المستهلك التونسي يمكن أن يتأثر في النهاية بكلفة النقل والمناولة والتخزين التي تدخل ضمن التكلفة النهائية للسلع.
ولهذا فإن الميناء جزء من سلسلة القيمة الاقتصادية بأكملها.
كلما تحسنت سرعة المناولة والتنظيم والخدمات، تقلصت كلفة التجارة، وكلما ارتفعت فترات الانتظار والتعطيل، تحمل الاقتصاد ومؤسساته كلفة إضافية.
من يملك مفاتيح الموانئ التونسية إذن؟
الصورة التي تكشفها خريطة الفاعلين هي أن النفوذ موزع بين عدة حلقات.
ديوان البحرية التجارية والموانئ يمسك بالجانب المرفئي والتنظيمي والبنية التحتية.
الشركة التونسية للملاحة تمثل الذراع البحري الوطني وتؤمن جزءًا مهمًا من الربط البحري.
الشركة التونسية للشحن والترصيف تتولى دورًا رئيسيًا في المناولة، وتتمتع بحضور مهم في حلق الوادي ورادس وموانئ أخرى.
المتعهدون الخواص يشاركون في عمليات المناولة بعدد من الموانئ الإقليمية.
وبالتالي لا توجد جهة واحدة يمكن القول إنها «تدير كل الموانئ»، وإنما توجد منظومة متعددة المتدخلين، نجاحها يتوقف على مدى التنسيق بين هذه الحلقات.
لكن السؤال الأصعب: هل تعمل المنظومة بكفاءة؟
هنا ينتقل النقاش من سؤال «من يفعل ماذا؟» إلى سؤال أكثر أهمية:
هل تكفي هذه المنظومة الحالية لضمان أن تكون الموانئ التونسية قادرة على خدمة اقتصاد يعتمد بأكثر من 98% من تجارته الخارجية على البحر؟
الجواب لا يتعلق فقط بعدد الموانئ أو المؤسسات العاملة فيها.
إنه يرتبط أيضًا بسرعة الإجراءات، وتوفر التجهيزات، وقدرة الأرصفة على استيعاب السفن، وكفاءة المناولة، والرقمنة، والربط بين الميناء وشبكات النقل البرية، ووضوح الأدوار بين مختلف المتدخلين.
كما يرتبط بقدرة تونس على تحويل موقعها الجغرافي في وسط المتوسط إلى ميزة اقتصادية حقيقية بدل أن يبقى مجرد موقع جغرافي.
تونس أمام فرصة استراتيجية
الموقع الجغرافي لتونس يمنحها إمكانية لعب دور أكبر في التجارة البحرية المتوسطية، لكن الموقع وحده لا يكفي.
فالاستفادة من الموقع تتطلب موانئ سريعة وفعالة، وبنية تحتية حديثة، وخدمات لوجستية تنافسية، وإجراءات أقل تعقيدًا، وربطًا أفضل بين الموانئ والمناطق الصناعية ومراكز الإنتاج والتوزيع.
وفي ظل المنافسة التي تفرضها الموانئ المتوسطية، فإن تونس مطالبة بأن تنظر إلى الموانئ باعتبارها أداة لجذب الاستثمار والتصدير وليس فقط فضاءات لدخول البضائع وخروجها.
المعادلة التي تحتاج إلى مراجعة
المعادلة الحالية واضحة: الدولة ممثلة في المؤسسات المرفئية والناقل البحري الوطني وشركة المناولة العمومية، والقطاع الخاص يشارك في جزء من عمليات المناولة.
لكن التحدي في المرحلة المقبلة هو الانتقال من مجرد توزيع الأدوار إلى بناء منظومة تعمل كجسم واحد.
فإذا كان المصدر أو المستثمر مضطرًا إلى التعامل مع عدة حلقات منفصلة، فإن أي تأخير في حلقة واحدة يمكن أن يعطل السلسلة بأكملها.
أما إذا أصبحت الموانئ تعمل ضمن منظومة رقمية ومتكاملة، مع تنسيق أكبر بين مختلف المتدخلين، فإن تونس يمكن أن تقلص كلفة تجارتها الخارجية وتدعم قدرتها على المنافسة.
الخلاصة: من يدير الموانئ؟ ومن يدفع ثمن التعطيل؟
الموانئ التونسية ليست ملكًا لجهة واحدة، ولا تتحكم فيها مؤسسة واحدة.
إنها منظومة تتقاطع فيها أدوار ديوان البحرية التجارية والموانئ، والشركة التونسية للملاحة، والشركة التونسية للشحن والترصيف، والمتعهدين الخواص.
لكن الأهم من معرفة أسماء المتدخلين هو معرفة مدى نجاح هذه المنظومة في خدمة الاقتصاد التونسي.
فإذا كانت أكثر من 98% من التجارة الخارجية تمر عبر البحر، فإن الموانئ تصبح عمليًا جزءًا من الأمن الاقتصادي الوطني.
ومن هنا فإن السؤال الذي يجب أن يفرض نفسه في المرحلة المقبلة ليس فقط: من يدير الموانئ التونسية؟
بل:
هل تستطيع الموانئ التونسية أن تتحول من نقاط لعبور التجارة إلى محركات حقيقية للتصدير والاستثمار والنمو؟
فالإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد كبير، قدرة تونس على استغلال موقعها في المتوسط وعلى خفض كلفة تجارتها الخارجية وتعزيز قدرتها التنافسية في السنوات المقبلة.



