مع تصاعد الحديث عن تحوير حكومي واسع وإمكانية تشكيل ما يُوصف بـ«الحكومة السابعة»، بدأت أسماء عديدة تتردد في الكواليس، من بينها عماد الحزقي ومحمد صالح بن عيسى ومصطفى الفرجاني، إلى جانب أسماء أخرى من خلفيات قانونية وإدارية وسياسية.
غير أن قراءة هذه التسريبات بمنطق الحكومات السابقة قد تكون مضللة. فالمشهد التنفيذي في تونس تغيّر بصورة عميقة خلال السنوات الأخيرة، ولم تعد عملية تشكيل الحكومات تقوم بالضرورة على منطق التفاوض السياسي والحزبي وتقاسم الحقائب.
كما يلفت الإعلامي فاهم بوكدوس إلى أن الحديث عن أسماء «ترفض» وزارة أو «تشترط» حقيبة معينة يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. فمنذ 2019، وبشكل أوضح خلال السنوات الأخيرة، أصبحت التعيينات في مواقع السلطة التنفيذية أكثر ارتباطاً بمنطق الاختيار الرئاسي وتكليف المسؤولين بمهام محددة داخل جهاز الدولة، وليس بمنطق التفاوض بين أطراف سياسية على مواقع الحكم.
وبالتالي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه ليس بالضرورة: من قبل ومن رفض؟ ومن اقترح هذا الاسم أو ذاك؟ وإنما: من يختار؟ وعلى أي أساس؟ وما المهمة التي ستُسند إلى المسؤول الجديد؟ وما هامش القرار الذي سيُمنح له؟
هذه الأسئلة تبدو أكثر أهمية من متابعة كل تسريب يتعلق باسم جديد لرئاسة الحكومة.
تونس تحتاج إلى أكثر من تغيير الأسماء
في المقابل، يرى الصحفي نورالدين الحاج محمود أن تونس تحتاج إلى حكومة قوية، تمتلك رصيداً كبيراً من الكفاءة التقنية والسياسية، وتحمل مشروعاً وطنياً قادراً على إخراج البلاد من أزماتها المتتالية.
ولا يتعلق الأمر، وفق هذا الطرح، بمجرد تغيير في تركيبة الحكومة، وإنما بإعادة صياغة طريقة إدارة المرحلة المقبلة، عبر خطاب سياسي واضح يكون مرفوقاً بإجراءات عملية تفتح آفاقاً جديدة أمام التونسيين، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً.
فالأزمات التي تواجهها تونس لم تعد تسمح بإدارة تقليدية تقوم على تسيير الملفات اليومية فقط. المالية العمومية تحت ضغط متواصل، والمؤسسات العمومية تحتاج إلى إصلاح وإنقاذ، فيما تواجه البلاد تحديات في الطاقة والمياه والاستثمار والتشغيل.
ومن هنا، فإن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بتحويل القرارات إلى نتائج ملموسة.
رئيس الحكومة القادم.. رجل قانون أم رجل دولة؟
في خضم هذه التسريبات، برزت أيضاً دعوات إلى اختيار شخصية من خلفية قانونية لرئاسة الحكومة. لكن النائب فاطمة المسدي تطرح المسألة من زاوية مختلفة، معتبرة أن تونس تحتاج اليوم، قبل كل شيء، إلى رجل دولة بعقل اقتصادي وقدرة تنفيذية.
فالمطلوب، وفق هذا التصور، ليس فقط شخصية قادرة على فهم القانون وإدارة الجهاز الإداري، وإنما مسؤول يمتلك القدرة على إدارة اقتصاد دولة، واتخاذ القرارات الصعبة، وتنفيذ الإصلاحات.
وهنا تلتقي هذه الرؤية مع سؤال أعمق يتجاوز أسماء عماد الحزقي أو محمد صالح بن عيسى أو مصطفى الفرجاني وغيرهم: هل المطلوب رئيس حكومة لتسيير المرحلة، أم رئيس حكومة لقيادة مرحلة إنقاذ اقتصادي وإعادة بناء قدرة الدولة على الفعل؟
فإذا كانت الحكومة القادمة ستواجه ملفات المالية العمومية، والمؤسسات العمومية، والطاقة والمياه، والاستثمار والتشغيل، فإن معيار الاختيار لا يمكن أن يكون الاسم وحده أو الخلفية المهنية وحدها، وإنما مدى قدرة الشخصية المختارة على تحويل الصلاحيات إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج.
من «من سيكون؟» إلى «ماذا سيفعل؟»
لذلك، قد يكون النقاش حول «الحكومة السابعة» أكثر فائدة إذا انتقل من لعبة الأسماء إلى طبيعة المهمة.
من يختار رئيس الحكومة؟ هذا سؤال دستوري وسياسي.
لكن السؤال الأهم بالنسبة للتونسيين هو: ماذا سيفعل رئيس الحكومة القادم إذا اختير؟
هل سيكون قادراً على معالجة الاختلالات المالية؟ وهل يمتلك رؤية لإنقاذ المؤسسات العمومية؟ وكيف سيتعامل مع أزمة الطاقة والمياه؟ وما الذي سيقدمه للاستثمار والتشغيل؟ وهل سيكون قادراً على استعادة ثقة الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين؟
تونس، كما يقول هذا الطرح، لم تعد في حاجة إلى مزيد من الشعارات بقدر حاجتها إلى نتائج.
وبذلك، فإن اختبار الحكومة المقبلة لن يكون في عدد الأسماء الجديدة التي ستدخل القصبة، ولا في الخلفيات القانونية أو الإدارية لأعضائها، وإنما في قدرتها على إنتاج القرار وتنفيذه وتحويله إلى أثر ملموس في حياة التونسيين.
وفي النهاية، قد يكون السؤال الأكثر دقة في هذه المرحلة ليس: من سيكون رئيس الحكومة القادم؟
بل: أي رئيس حكومة تحتاجه تونس الآن؟
