في تحليل اقتصادي شامل، يرى الخبير الاقتصادي التونسي هاشمي علية أن تونس دخلت مرحلة دقيقة من اختلال التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، حيث تتسع الفجوة بين ما ينتجه الاقتصاد الوطني وما يستهلكه، في ظل تراجع واضح في قطاعات استراتيجية أبرزها الطاقة والغذاء.
ويؤكد علية أن البلاد تواجه اليوم تحديات تمسّ جوهر “السيادة الاقتصادية”، خاصة مع ارتفاع الاعتماد على الواردات وتراجع القدرة الإنتاجية المحلية، ما يضع ضغطًا متزايدًا على احتياطات العملة الصعبة والمالية العمومية.
يقول السيد علية تدفع المعطيات الاقتصادية الأخيرة إلى إعادة طرح سؤال جوهري: إلى أي مدى ما تزال تونس قادرة على الحفاظ على ما يُسمّى بـ“السيادة الاقتصادية”؟ سؤال يتمحور أساسًا حول ركيزتين أساسيتين هما الطاقة والغذاء، وهما اليوم في قلب تراجع متزامن يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية للبلاد.
في سنة 2026، تبدو تونس، وفق هذا التحليل، كاقتصاد يزداد اعتمادًا على الاستيراد لتغطية حاجياته، في وقت تتراجع فيه قدراته الإنتاجية، وذلك في سياق أسعار عالمية مرتفعة وضغط متواصل على المالية العمومية والاحتياطات من العملة الصعبة.
تراجع حاد في السيادة الطاقية
تشير بيانات المرصد الوطني للطاقة والمناجم إلى أن نسبة تغطية الحاجيات الطاقية بالموارد الوطنية تراجعت إلى 35% في أفريل 2026، مقابل 40% قبل سنة، وحوالي 96% في بداية العقد الماضي. وهو أدنى مستوى يُسجَّل منذ سنوات طويلة.
في المقابل، تضاعف عجز الميزان الطاقي أكثر من ثلاث مرات خلال خمس سنوات، ليرتفع من 1.8 مليار دينار سنة 2021 إلى 5.8 مليارات دينار في ماي 2026.
ويعود هذا التراجع إلى عاملين رئيسيين: تآكل إنتاج النفط والغاز محليًا دون وجود بدائل جاهزة على المدى القصير، إضافة إلى تراجع حاد في مداخيل الغاز الجزائري الموجه لتونس، بنسبة 31.9% خلال سنة واحدة، بعد انخفاضات سابقة متتالية. وهو مورد يبقى خارج التحكم المباشر لتونس لأنه مرتبط بتدفقات التزامات تعاقدية إقليمية.
فاتورة طاقية مرشحة للارتفاع
هذا التراجع الهيكلي، مع تزايد الاستهلاك الداخلي، يضغط بقوة على فاتورة الطاقة. إذ يُتوقع أن ترتفع واردات المحروقات من 13.8 مليار دينار سنة 2025 إلى 16.9 مليار دينار سنة 2026، وقد تتجاوز 18.4 مليار دينار إذا ارتفع سعر النفط إلى حدود 86 دولارًا للبرميل وفق تقديرات البنك الدولي.
هذا يعني حاجة إضافية تتراوح بين مليار و1.5 مليار دولار سنويًا لتغطية الطلب الداخلي، رغم أن استهلاك تونس من الطاقة يبقى محدودًا نسبيًا عالميًا (المرتبة 91 من بين 140 دولة حسب البنك الدولي).
لكن المشكلة، وفق هذا التصور، لا تتعلق فقط بالتكلفة، بل أيضًا بتأخر هيكلي في الاستثمار في الطاقات المتجددة ونجاعة استهلاك الطاقة مقارنة بدول مشابهة.
“سيادة غذائية” قائمة على منتج واحد
في القطاع الغذائي، قد توحي أرقام التجارة الخارجية بصورة أكثر إيجابية، إذ سجل الميزان الغذائي فائضًا قدره 943 مليون دينار إلى حدود ماي 2026، مع نسبة تغطية بلغت 127.1% حسب المعهد الوطني للإحصاء.
لكن هذا الفائض يعتمد أساسًا على منتج وحيد تقريبًا هو زيت الزيتون، الذي يمثل أكثر من نصف الصادرات الغذائية (52.5% سنة 2025).
وباستثناء زيت الزيتون، يتحول الميزان الغذائي إلى عجز هيكلي واضح: 2.8 مليار دينار سنة 2025 و3.5 مليارات سنة 2024، مدفوع أساسًا بالواردات من الحبوب.
تبعية قمحية مزمنة
تكشف بيانات ديوان الحبوب أن تونس لا تغطي اليوم سوى نحو 22% إلى 23% من حاجياتها من الحبوب خلال السنوات الأخيرة. وفي الموسم 2025/2026، يُتوقع أن تتراوح الكميات المجمعة بين 10.4 و10.6 مليون قنطار، مقابل استهلاك يقارب 34.3 مليون قنطار، ما يعني ضرورة توريد نحو 24 مليون قنطار.
حتى في سنة اعتُبرت “أفضل من المعدل”، تبقى الفجوة قائمة وهي بنيوية أكثر منها ظرفية. ومع احتمال ارتفاع الأسعار العالمية بنسبة 4.1%، قد تتجاوز فاتورة الحبوب 2 مليار دينار، ما يزيد الضغط على ميزانية الدعم.
ضغط متزامن على كل الجبهات
تجد تونس نفسها أمام تقاطع ثلاثة عوامل ضاغطة: تراجع الإنتاج المحلي للطاقة والغذاء، ارتفاع الطلب الداخلي، وبقاء الأسعار العالمية في مستويات مرتفعة.
هذا “التلاقي السلبي” ينعكس مباشرة على احتياطات العملة الصعبة التي تغطي نحو 101 إلى 102 يوم من الواردات، وهو مستوى يُعتبر هشًا مقارنة بالمعايير الدولية.
نحو اختلالات أعمق في المالية العمومية
في هذا السياق، تتجه المالية العمومية نحو مزيد من الضغط، مع احتمال توسع العجز إلى أكثر من 8% من الناتج الداخلي الخام. كما يُتوقع أن تتحول النفقات العمومية تدريجيًا نحو تغطية الدعم والإنفاق الجاري، على حساب الاستثمار العمومي.
هذا التحول قد يؤدي إلى إضعاف النمو الاقتصادي، خاصة مع تراجع حصة المواد الأولية ونصف المصنعة من الواردات لصالح السلع الاستهلاكية، وهو ما يعكس ضعفًا في النسيج الإنتاجي.
اقتصاد تحت الضغط الهيكلي
في المحصلة، يقدم هذا التحليل صورة لاقتصاد تونسي يواجه اختلالات مزدوجة في الطاقة والغذاء، تتغذى على بعضها البعض. وبدون إصلاحات عميقة في الإنتاج والاستثمار والنجاعة الطاقية والغذائية، تبقى هشاشة الاقتصاد مرشحة للتفاقم، مع انعكاسات مباشرة على النمو والاستقرار المالي.



