دخل النزاع التحكيمي المرفوع ضد تونس من قبل ثلاث شركات تابعة لمجموعة زينيث إنرجي مرحلة حاسمة، بعد أن أودع طرفا القضية، يوم 30 سبتمبر 2026، آخر مذكراتهما الكتابية إثر جلسات المرافعة التي احتضنتها باريس في أفريل الماضي.
وبإيداع هذه المذكرات، تكون المرحلة الكتابية الأخيرة في القضية قد اكتملت، في انتظار مداولات هيئة التحكيم وصدور الحكم النهائي في الملف الذي يحمل الرقم أ أر بي/23/18 لدى المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار.
وتطالب الشركات المدعية بتعويضات تناهز 572.65 مليون دولار، إضافة إلى الفوائد، على خلفية نزاع يتعلق بامتيازات نفطية في تونس.
رفعت القضية ثلاث شركات بريطانية هي زينيث إنرجي أفريقيا المحدودة، وزينيث أوفرسيز أصول المحدودة، وشركة الصحراء المحدودة.
وقد سجل المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار طلب التحكيم يوم 5 جوان 2023، قبل أن يتم تشكيل هيئة التحكيم في ديسمبر من السنة نفسها.
وتستند القضية إلى اتفاقية الاستثمار الثنائية المبرمة بين تونس والمملكة المتحدة سنة 1989، فيما يتعلق موضوع النزاع بقطاع النفط والغاز والامتيازات النفطية.
وتترأس هيئة التحكيم الإيطالية لوريتا مالينبوتي، إلى جانب الكندي هنري ألفاريز، الذي عينه المدعون، والتشيلي اللبناني نسيب زيادِه، الذي عينته تونس.
من 2023 إلى جلسات باريس
مرت القضية منذ تسجيلها بعدد من المراحل الإجرائية، كان من أبرزها رفض هيئة التحكيم، في ديسمبر 2024، طلب تونس الفصل في مسائل الاختصاص والنظر فيها بصورة أولية قبل الانتقال إلى أصل النزاع.
وبذلك واصل الملف مساره نحو بحث مختلف جوانبه المتعلقة بالاختصاص وأصل المطالبات، مع صدور عدد من الأوامر الإجرائية خلال سنتي 2025 و2026.
وفي الفترة من 20 إلى 24 أفريل 2026، عقدت هيئة التحكيم جلسات المرافعة المتعلقة بالاختصاص وأصل النزاع في باريس.
وبعد انتهاء الجلسات، وجهت الهيئة أسئلة إلى الطرفين في 29 أفريل، قبل أن تصدر في 14 ماي الأمر الإجرائي عدد 13، الذي حدد الجدول الزمني للمرحلة الكتابية اللاحقة للمرافعات.
وفي 31 جويلية الماضي، أودع الطرفان مذكراتهما الأولى بعد جلسات المرافعة.
أما في 30 سبتمبر، فقد أودع كل طرف مذكرته الجوابية الأخيرة.
ماذا يعني إيداع مذكرات 30 سبتمبر؟
يمثل هذا التاريخ آخر تطور إجرائي معلن في القضية.
فبعد استكمال المرافعات في أبريل، حصل الطرفان على فرصة لتقديم مذكرات كتابية إضافية، انتهت بإيداع المذكرات الجوابية يوم 30 سبتمبر.
وبذلك ينتقل الملف إلى مرحلة المداولة، في انتظار القرار الذي ستصدره هيئة التحكيم.
وتشير زينيث إلى أن الجدول الزمني الإجرائي يتوقع صدور الحكم خلال الربع الأول من سنة 2027، مع التأكيد على أن هذا الموعد يظل تقديراً زمنياً ولا يمثل تاريخاً نهائياً ملزماً لصدور الحكم.
572.65 مليون دولار.. ماذا تقول زينيث؟
تقول مجموعة زينيث إن قيمة مطالباتها ارتفعت إلى نحو 572.65 مليون دولار، وإن المبلغ يمثل، من وجهة نظرها، الخسائر التي تقول إنها تكبدتها نتيجة ما تصفه بمخالفات وعراقيل من الجانب التونسي.
لكن هذه المطالبات لا تزال محل نظر هيئة التحكيم، ولم يصدر إلى حد الآن أي حكم نهائي بشأنها.
وعليه، فإن ما تطرحه زينيث بشأن حجم الأضرار والمسؤولية عنها يبقى جزءاً من موقفها في القضية، ولا يمكن تقديمه باعتباره حقيقة قضائية محسومة قبل صدور الحكم.
«الربانة» و«الببّان» في قلب النزاع
ومن أبرز التطورات التي أعلنت عنها زينيث خلال السنة الحالية ما يتعلق بامتيازي الربانة والببّان.
ففي أبريل 2026، أعلنت الشركة أن تونس أقرت، بحسب ما قالت، بأن الامتيازين مملوكان لشركتها التابعة إيكوميد بتروليوم تونس.
كما أعلنت زينيث أن تونس أكدت كتابياً ملكية الشركة لنحو 3987 برميلاً من النفط الخام المنتج من الامتيازين.
وتقول الشركة إن هذه الكميات تعود إلى إنتاج منذ سنة 2022، وإنها بقيت دون بيع بسبب ما وصفته بعرقلة من جانب السلطات التونسية.
غير أن تفسير أسباب عدم بيع النفط وتحميل المسؤولية عنه يظل جزءاً من موقف زينيث في النزاع، ولا يمثل حكماً صادراً عن هيئة التحكيم.
639.7 مليون دولار في مختلف ملفات التحكيم
ولا يقتصر الخلاف بين زينيث والجانب التونسي على هذه القضية وحدها.
فبحسب بيانات الشركة، تبلغ القيمة الإجمالية للمطالبات التي ترتبط بمختلف ملفات التحكيم المتعلقة بتونس نحو 639.7 مليون دولار، من بينها المطالبة البالغة 572.65 مليون دولار أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار.
كما تشير الشركة إلى صدور حكم سابق في أحد ملفات التحكيم بقيمة تقارب 9.7 مليون دولار، إضافة إلى الفوائد.
غير أن هذه الملفات مستقلة من الناحية الإجرائية، ولا يمكن جمع مبالغها باعتبارها مبلغاً واحداً محل حكم في القضية الحالية.
الحكم.. المحطة المقبلة
ومع إيداع آخر المذكرات في 30 سبتمبر، تكون القضية قد قطعت مرحلة أساسية من مسارها الذي بدأ قبل أكثر من ثلاث سنوات.
المحطة المقبلة ستكون مداولات هيئة التحكيم ثم إصدار الحكم النهائي بشأن المطالبات المقدمة ضد تونس.
وبحسب الجدول الزمني الذي أعلنته زينيث، فإن الحكم متوقع خلال الربع الأول من سنة 2027، ليحدد عندها ما إذا كانت المطالبات المالية التي تتجاوز نصف مليار دولار ستقبل كلياً أو جزئياً أو سترفض، وما ستكون عليه الآثار المالية والقانونية المترتبة عن القرار.
