رغم تسجيل تونس رقماً قياسياً بلغ 11 مليون سائح خلال سنة 2025 ومداخيل تُقدَّر بـ 8,09 مليار دينار، اشتعل نقاش واسع على منصات التواصل حول حقيقة مردودية القطاع السياحي، بعد تدوينة أثارت جدلاً للباحث محمود الغول حول الفجوة بين عدد الوافدين والعائدات.
رقم قياسي… لكن “عائد ضعيف”
في تحليله، اعتبر محمود الغول أن تونس تعاني مفارقة واضحة: استقبال أعداد ضخمة من الزوار مقابل مردود مالي أقل بكثير مقارنة بدول منافسة.
ووفق الأرقام التي أوردها، فإن معدل إنفاق السائح في تونس لا يتجاوز 250 دولاراً، مقابل نحو 742 دولاراً في المغرب و937 دولاراً في مصر، ما يفتح، بحسبه، سؤالاً جوهرياً حول طبيعة النموذج السياحي المعتمد.
جدل حول طريقة احتساب “السياح”
النقاش سرعان ما تحول إلى خلاف حول المنهجية الإحصائية نفسها.
المتخصصة في مجال الاتصال والمسؤولة السابقة بالخطوط التونسية سلافة لصرم مقدّم اعتبرت أن جزءاً من الإشكال يعود إلى إدراج فئات لا تنفق مثل السائح التقليدي:عندما يتم احتساب التونسيين بالخارج وكذلك الجزائريين والليبيين ضمن السياح، فمن الطبيعي أن تكون المداخيل ضعيفة.»
وترى أن هذه الفئات لا تعتمد على النزل ولا على الخدمات السياحية التقليدية، ما يجعل أثرها الاقتصادي مختلفاً.
“تشويه إحصائي” أم واقع اقتصادي؟
من جهته، اعتبر عادل المهيري أن الإشكال أعمق من مجرد أرقام:نواصل احتساب جيراننا كسياح دوليين، بينما هم في الواقع أقرب إلى سياحة داخلية.» »
ويقترح اعتماد تقدير أكثر واقعية لا يتجاوز 6 ملايين سائح دولي فعلي، ما قد يغيّر جذرياً قراءة متوسط الإنفاق.
كما أشار إلى أن ضعف الأنشطة خارج النزل، خصوصاً الليلية منها، يقلل من حجم الإنفاق داخل البلاد.
يقول هادي حمدي (متخصص في الإعلام السياحي)
هناك بالفعل عدة عوامل لا يتم أخذها بعين الاعتبار في هذا التحليل، وهناك الكثير من “المسكوت عنه” في طريقة إدارة العائدات السياحية في تونس.
كما أن اختزال إنفاق السائح في تونس في رقم يقارب 80 يورو فقط يبدو تبسيطاً سريعاً ومبالغاً في التعميم، لأنه لا يعكس بالضرورة تنوع أنماط الاستهلاك بين السياحة المنظمة، والإقامة الفردية، والوافدين من الأسواق القريبة.
المسألة أعقد من مجرد متوسط حسابي، لأنها ترتبط بطريقة احتساب العائدات، وبهيكلة السوق السياحية، وبالفئات التي يتم إدراجها ضمن الإحصائيات الرسمية، وهو ما يستدعي قراءة أعمق قبل إصدار أحكام نهائية على أداء القطاع.
تأثير “الربيع العربي” وتأخر الاستثمار
أما ثامر بوراوي فربط الأزمة بتداعيات مرحلة 2011، قائلاً إن القطاع فقد سنوات من التطوير في لحظة كانت فيها دول منافسة مثل المغرب وتركيا تواصل الاستثمار بقوة.
كما أشار إلى هيمنة الفنادق المتوسطة التي تمثل نحو 80% من الطاقة الإيوائية، ما يحدّ من استقطاب السياحة الفاخرة ذات الإنفاق المرتفع.
وردّ صاحب التدوينة معتبراً أن هذا الطرح يكمل الصورة، مؤكداً أن الإشكال “بنيوي واستراتيجي وليس ظرفياً”.
“تونس بلد فندقي أكثر منه سياحي”
في تعليق لافت، قال ياسين الصفاقسي:«تونس بلد فندقي أكثر منه سياحي. الفرق كبير جداً.»
في حين ذهبت سارة رقيق-هامبر إلى حد اعتبار أن النموذج الحالي يقوم على “التسويق دون اشتراط جودة كافية”.
حلول متباينة: من “الأوبن سكاي” إلى تنويع التجربة
برزت خلال النقاش حلول مختلفة، أبرزها دعوة طارق زهاني إلى فتح المجال الجوي (السموات المفتوحة – أوبن سكاي -)، معتبراً أن احتكار الرحلات يرفع الأسعار ويحد من تنوع السياح.
كما دعا آخرون إلى تطوير البنية التحتية، وتحسين صورة البلاد، وتوسيع الأنشطة الثقافية والترفيهية، إضافة إلى إصلاح المواقع الأثرية التي تعاني – بحسب تعبير بعض المعلقين – من “إهمال واضح”.
نحو نموذج سياحي جديد؟
في المقابل، شدد بعض المتدخلين على ضرورة إعادة التفكير في النموذج بالكامل، من خلال:
- تنويع العرض السياحي خارج النزل
- تطوير السياحة الثقافية والصحراوية والدينية
- تحسين الربط الجوي وخفض التكاليف
- استهداف سياحة ذات إنفاق أعلى من أوروبا والخليج



