هل يمكن لإجراء إداري بسيط لا يستغرق سوى دقائق أن يكلّف الاقتصاد التونسي مئات الملايين من الدنانير سنوياً؟
هذا السؤال طرحه نور الدين نصر، الخبير الدولي والناشط في المجتمع المدني في تدوينة نشرها على صفحته، حاول من خلالها تقدير الكلفة الاقتصادية لما وصفه بـ«الكلفة الخفية التعريف بالامضاء».
وقال نصر إنه توجه يوم أمس 15 سبتمبر، إلى إحدى البلديات للمرة الرابعة أو الخامسة خلال السنة الجارية، هذه المرة للمصادقة على إمضاءات عقد مع الشركة التونسية للكهرباء والغاز يتعلق بتركيب ألواح شمسية بمنزله.
ويضيف أنه وجد قاعة مكتظة بالمواطنين، وكان يحمل رقماً في الطابور بينما سبقه نحو 40 شخصاً، الأمر الذي دفعه إلى سؤال عدد من المواطنين الموجودين حوله عن عدد المرات التي يضطرون فيها إلى التوجه إلى البلديات لإنجاز مثل هذه الإجراءات.
وبحسب ما نقله عن الأشخاص الذين تحدث إليهم، فإن عدداً منهم يخصصون بين يومين وأربعة أنصاف أيام سنوياً لهذه الإجراءات.
وأشار نصر كذلك إلى بروز موجة جديدة من المواطنين المتوجهين إلى الشبابيك البلدية للمصادقة على الإمضاءات، خصوصاً مع انتهاء العمل بالشيكات كضمان، وما رافقه، وفق ملاحظته، من ارتفاع في عدد الكمبيالات التي تحتاج إلى المصادقة.
تقديرات بمئات الملايين
وفي محاولة لقياس الكلفة الاقتصادية الإجمالية لهذه الإجراءات، قدم نصر مجموعة من التقديرات التي قال إنه توصل إليها بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
وتتحدث هذه التقديرات عن 20 إلى 25 مليون تنقل سنوياً إلى البلديات، مقابل ما بين 30 و40 مليون إمضاء مصادق عليه وسجل ممضى.
كما قدر خسائر الإنتاجية الناجمة عن الوقت الذي يقضيه المواطنون في التنقل والانتظار بنحو 560 مليون دينار سنوياً، على أساس احتساب نصف يوم عمل بقيمة 25 ديناراً.
وأضاف إلى ذلك نحو 67.5 مليون دينار كنفقات مرتبطة بالتنقل، بما في ذلك الوقود وسيارات الأجرة والنقل غير المنتظم، فضلاً عن حوالي 20 مليون دينار كتكاليف مرتبطة بالورق والحبر والسجلات واستهلاك التجهيزات.
أما الانبعاثات الناتجة عن عمليات التنقل هذه، فقد قدرها بنحو 15 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً.
وبجمع هذه العناصر، خلص نصر إلى تقدير إجمالي يبلغ حوالي 645 مليون دينار سنوياً.
هل يمكن الاستغناء عن الطوابير؟
ويرى صاحب التدوينة أن جزءاً كبيراً من هذه الكلفة يمكن تفاديه عبر توسيع استخدام الهوية الرقمية، وخاصة خدمة الهوية الرقمية على الهاتف، إلى جانب الإمضاء الإلكتروني المؤهل.
وبحسب تقديره، فإن اعتماد هذه الحلول على نطاق واسع يمكن أن يؤدي إلى توفير أكثر من 80 في المائة من هذه الكلفة المفترضة، فضلاً عن تخفيف الضغط على البلديات وتقليص حاجة المواطنين إلى التنقل والانتظار أمام الشبابيك.
غير أن هذه الأرقام تبقى تقديرات غير رسمية وردت في تدوينة شخصية، ولا تعكس، في حدود المعطيات الواردة فيها، إحصاءات صادرة عن وزارة الشؤون المحلية أو المعهد الوطني للإحصاء أو جهة رسمية أخرى.
وتفتح هذه التقديرات في المقابل نقاشاً أوسع حول كلفة الإجراءات الإدارية التقليدية في تونس، ومدى قدرة الرقمنة على تحويل خدمات لا تزال تتطلب حضور المواطن شخصياً إلى خدمات إلكترونية يمكن إنجازها عن بعد.
ويبقى السؤال الذي طرحه السيد نصر مفتوحاً: كم من الوقت والمال يخسره التونسي سنوياً فقط لأنه مضطر إلى الوقوف في طابور من أجل إمضاء؟
