لم يعد حادث احتراق الطائرة التركية في مطار مصراتة الدولي مجرد واقعة فنية قيد التحقيق، بعدما تحوّل إلى قضية تتعلق بسلوك طاقم القيادة نفسه. فبينما أعلنت النيابة العامة الليبية حبس قائد الطائرة ومساعده احتياطياً، مستندة إلى ما قالت إنها معطيات أولية تشير إلى قيادتهما الطائرة وهما في حالة سكر، خرجت الشركة التركية المشغلة للطائرة لتنفي بصورة صريحة وجود أي دليل مؤكد على تعاطيهما الكحول.
ويضع هذا التناقض الروايتين الليبية والتركية في مواجهة مباشرة، في انتظار ما ستكشفه نتائج الفحوص الطبية والوثائق الرسمية التي يفترض أن تحسم واحدة من أكثر النقاط حساسية في التحقيق.
وكانت الطائرة الخاصة، وهي من طراز «سيسنا سايتيشن لاتيتيود»، والمسجلة في تركيا، قد تعرضت لحادث أثناء هبوطها في مطار مصراتة الدولي يوم الاثنين 14 سبتمبر، قبل أن تشتعل فيها النيران وتتضرر بشكل كبير.
وكانت الطائرة قادمة من إسطنبول من دون ركاب، وتمكن أفراد طاقمها الثلاثة من مغادرتها سالمين، فيما لم يسجل الحادث خسائر بشرية.
النيابة: معطيات تشير إلى حالة سكر
وأعلنت النيابة العامة الليبية، في 16 سبتمبر، أن التحقيقات الأولية شملت معاينة حطام الطائرة، ومراجعة بيانات المراقبة الجوية، وتقارير الأحوال الجوية، والاستماع إلى العاملين الفنيين في المطار.
وبحسب ما أعلنته النيابة، جرى استجواب أفراد الطاقم بعد مرور 24 ساعة على الحادث، حيث واجه المحقق قائد الطائرة ومساعده بما وصفته النيابة بأنه أدلة تشير إلى قيادتهما الطائرة وهما في حالة سكر، إلى جانب الإخلال بقواعد السلامة الجوية والعامة.
وعلى إثر ذلك، تقرر حبس قائد الطائرة ومساعده احتياطياً، مع مواصلة التحقيق للكشف عن الأسباب والملابسات التي أدت إلى الحادث.
الشركة التركية: لا دليل على وجود الكحول
لكن شركة «بكن جت» التركية، المتخصصة في خدمات الطيران الخاص وتأجير الطائرات، قدمت رواية مختلفة تماماً.
وقالت الشركة إنها تنفي صحة التقارير التي تحدثت عن وجود الطيارين تحت تأثير الكحول، مؤكدة أن تلك التقارير لا تعكس، وفقاً لها، حقيقة الوضع الراهن.
وأوضحت الشركة أن الطيارين خضعا لفحوصات طبية فور وقوع الحادث، لكنها أكدت عدم وجود نتائج مؤكدة أو وثائق لديها تثبت وجود الكحول.
كما شددت على أن وجود الطيارين في ليبيا يأتي في إطار الإجراءات الرسمية التي أعقبت الحادث، وأنهما موجودان لاستكمال عمليات الاستجواب، نافية وجود مؤشرات، بحسب معلوماتها، على تحويل وضعهما إلى اعتقال بالمعنى الذي تداولته بعض التقارير.
ودعت الشركة إلى تجنب التكهنات والاقتصار على المعلومات المؤكدة إلى حين انتهاء التحقيقات.
التحقيق الليبي والتركي أمام الاختبار
وأكدت «بكن جت» تعاونها مع جميع السلطات المختصة، ولا سيما الجهات المعنية بالتحقيق في حوادث الطيران في ليبيا وتركيا، مشددة على أن التحقيقات الرسمية هي التي ستحدد الأسباب الفعلية للحادث.
وهكذا، يجد التحقيق نفسه أمام نقطتين متعارضتين: رواية النيابة العامة الليبية التي أعلنت اتخاذ إجراء قضائي بحق الطيارين استناداً إلى معطيات أولية، ورواية الشركة التركية التي تنفي وجود دليل طبي مؤكد على تناول الكحول.
وبانتظار نتائج الفحوص والوثائق الفنية والقضائية النهائية، تبقى مسألة تأثير الكحول على طاقم القيادة ادعاءً محل نزاع بين الطرفين، ولا يمكن حسمها بصورة نهائية إلا استناداً إلى نتائج التحقيق الرسمي والأدلة الطبية المعتمدة.
أما السؤال الأهم، فهو ما إذا كانت نتائج الفحوص التي خضع لها الطياران عقب الحادث ستؤكد ما أعلنته النيابة العامة الليبية، أم ستدعم نفي الشركة التركية، وما إذا كان ذلك سيغير مسار التحقيق في حادث الطائرة الذي نجا منه أفراد طاقمها من دون إصابات قاتلة.
