حذّر مكتب المندوب العام لحماية الطفولة من تنامي المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها الأطفال نتيجة الاستخدام المتسارع للشبكات والمنصات الرقمية، والتوظيف الواسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن حماية الطفل من الاستغلال وسوء المعاملة مسؤولية مشتركة تتقاسمها الأسرة ومختلف هياكل الدولة والمتدخلين في مجال حماية الطفولة.
وأوضح المكتب، في بيان له، أن التطور المتسارع في استخدامات المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي أصبح له تأثير مباشر على الأطفال، سواء من خلال ما توفره هذه التقنيات من فرص للتعلم والترفيه والانفتاح الثقافي، أو من خلال المخاطر التي قد تنشأ عنها، والتي يمكن أن تتخذ أشكالًا مختلفة من التهديد، وقد ترتقي في بعض الحالات إلى الاستقطاب والاستغلال بمختلف أشكاله.
وشدّد مكتب المندوب العام لحماية الطفولة، انطلاقًا من مسؤوليته واختصاصه واطلاعه المباشر على وضعيات التهديد التي يتعرض لها الأطفال وعواقبها، على أهمية التحسيس والتوعية باعتبارهما عنصرين أساسيين في الجهود الوقائية الوطنية الرامية إلى ضمان المصلحة الفضلى للطفل.
حماية الطفل مسؤولية مشتركة
وأكد المكتب أن حماية الطفل ليست مسؤولية جهة واحدة، وإنما هي مسؤولية مجتمعية تشاركية، تضطلع فيها الأسرة بدور رئيسي، إلى جانب مختلف هياكل الدولة، كل حسب اختصاصه.
وأشار إلى أن هياكل الدولة تعمل ضمن منظومة متكاملة وأطر قانونية واضحة، مع ضرورة التنسيق الفوري والوثيق بين مختلف المتدخلين للتعهد بكل طفل تقتضي وضعيته تدخلاً حمائيًا.
ويأتي هذا التأكيد في ظل اتساع الفضاء الرقمي الذي أصبح جزءًا من الحياة اليومية للأطفال، وما يرافق ذلك من تحديات جديدة تتطلب، وفق المكتب، مقاربة وقائية لا تقتصر على معالجة حالات الخطر بعد وقوعها، وإنما تعمل على منع الاستغلال قبل حدوثه.
حرمة الطفل الجسدية والمعنوية خط أحمر
وشدّد مكتب المندوب العام لحماية الطفولة على أن المساس بحرمة الطفل الجسدية والمعنوية يمثل خرقًا صارخًا لحقوقه، مشيرًا إلى أن المنظومة التشريعية التونسية وضعت جملة من الضوابط القانونية التي تحكم مختلف الأعمال والأنشطة المرتبطة بالطفل.
كما أوضح أن معالجة المعطيات الشخصية للأطفال تخضع لضوابط قانونية، ولا تتم إلا بعد الحصول على الموافقات التي يفرضها القانون، بما في ذلك موافقة الولي وقاضي الأسرة، مع ترتيب تبعات جزائية على التجاوزات المخالفة.
حتى الأعمال الفنية تخضع لضوابط
وفي السياق ذاته، ذكّر المكتب بأن المشرّع التونسي وضع شروطًا لمشاركة الأطفال في الأعمال والأنشطة الفنية، ومنع تكليفهم بأعمال أو عروض فنية يمكن أن تشكل خطرًا على صحتهم أو تمس من كرامتهم، أو تؤثر في واجب الدراسة أو في جودة التعليم.
وأكد أن حماية الطفل لا تعني عزله عن محيطه الاجتماعي أو منعه من ممارسة الأنشطة التي تساعده على التعبير عن ذاته والمشاركة في الحياة الاجتماعية، وإنما تهدف إلى ضبط الأطر التي تضمن مشاركته بشكل آمن وتحول دون استغلاله.
الخطر قد يبدأ من صورة أو فيديو
وحذّر المكتب من أن الاستغلال قد لا يكون مباشرًا أو واضحًا في بدايته، إذ يمكن أن تنشأ تداعيات نفسية واجتماعية على الطفل نتيجة توظيف صورته أو صوته أو حضوره في محتويات مختلفة، خصوصًا في ظل الانتشار السريع للمحتوى الرقمي وصعوبة التحكم في مساره بعد نشره.
وقد يجد الطفل نفسه، نتيجة ذلك، عرضة لاحقًا للتنمر أو سوء المعاملة أو أشكال أخرى من الاستغلال، وهو ما يجعل حماية خصوصيته وكرامته أمرًا أساسيًا، حتى عندما يبدو النشاط في ظاهره ترفيهيًا أو عائليًا أو فنيًا.
دعوة صريحة إلى عدم إقحام الأطفال
ومن هذا المنطلق، شدّد مكتب المندوب العام لحماية الطفولة على ضرورة الامتناع عن إقحام الأطفال في أي شكل من أشكال التوظيف في مختلف المجالات وبأي وسيلة كانت، سواء داخل الأطر العائلية أو خارجها.
كما جدّد التأكيد على الدور الأساسي للأسرة في حماية الأطفال من المخاطر، داعيًا إلى الاضطلاع الكامل بمسؤوليتها في الوقاية والمتابعة والتوعية.
وتطرح هذه الدعوة تحديًا جديدًا أمام العائلات التونسية في ظل التحول الرقمي المتسارع، حيث لم يعد الطفل يتعرض للمخاطر فقط داخل الفضاءات التقليدية، وإنما أصبح جزء كبير من حياته الاجتماعية والتعليمية والترفيهية يتم عبر الهاتف والمنصات الرقمية.



