الرئيسيةآخر الأخبارخطوط على الخرائط قد تحدد مليارات الدولارات من الغاز: تونس داخل المعركة

خطوط على الخرائط قد تحدد مليارات الدولارات من الغاز: تونس داخل المعركة

بعيدا عن الحروب والتوترات التي تستقطب الاهتمام في الشرق الأوسط، تتحرك في البحر المتوسط لعبة جيوسياسية أكثر هدوءا، لكنها لا تقل أهمية، عنوانها الحدود البحرية وحقوق استغلال قاع البحر والموارد الطبيعية.

وفي قلب هذا الملف توجد تونس وليبيا وإيطاليا واليونان، فيما تلعب تركيا دورا داعما للموقف الليبي في مواجهة أثينا، في صراع تتداخل فيه الطاقة والغاز والموارد البحرية مع خطوط أنابيب الغاز والكابلات البحرية التي أصبحت جزءا من البنية التحتية الاستراتيجية لأوروبا.

وتكتسب التطورات الأخيرة أهمية خاصة بعد أن أودعت إيطاليا لدى الأمم المتحدة، في 24 سبتمبر 2026، إحداثيات جديدة لخطوطها الأساسية البحرية، لتحل محل الإحداثيات التي كانت قد أودعتها سنة 1996.

وقد سجلت الأمم المتحدة الوثيقة تحت المرجع م.ز.ن. 177.2026. لوس وهي خطوة قالت روما إنها تأتي في إطار تحديث نظام الخطوط الأساسية الإيطالية بما يتلاءم مع الوضع الحالي للساحل الإيطالي وتطبيق التعديلات التي أقرها القانون الإيطالي عدد 70 الصادر في 7 ماي 2026.

ولا يعني هذا الإجراء، في حد ذاته، أن إيطاليا أعادت رسم حدودها البحرية مع دول المتوسط، وإنما يتعلق أساسا بتحديث النقاط المرجعية التي تستخدم في الحسابات القانونية والفنية للمناطق البحرية.

blank

لماذا كل هذه الضجة حول خطوط تبدو غير مرئية؟

لأن الخط المرسوم على الخريطة البحرية قد تكون له قيمة اقتصادية وجيوسياسية هائلة.

فالدولة الساحلية تقيس مياهها الإقليمية انطلاقا من خطوط أساسية، وتمتد هذه المياه إلى مسافة تصل إلى 12 ميلا بحريا.

وبعد ذلك تبدأ مناطق بحرية أخرى، أبرزها المنطقة الاقتصادية الخالصة التي يمكن أن تمتد إلى 200 ميل بحري من الخط الأساسي.

لكن المنطقة الاقتصادية الخالصة لا تعني أن البحر يصبح جزءا من أراضي الدولة. وإنما تمنح الدولة حقوقا سيادية في استغلال الموارد الطبيعية، ومن بينها الثروة السمكية والنفط والغاز، إلى جانب اختصاصات معينة تتعلق بالمنشآت والأنشطة الاقتصادية.

أما الجرف القاري، فيتعلق أساسا بقاع البحر وباطن أرضه، وهو ما يجعله شديد الأهمية عندما يتعلق الأمر بالتنقيب عن النفط والغاز والثروات الموجودة تحت قاع المتوسط.

المشكلة أن البحر المتوسط ليس محيطا مفتوحا، والمسافات بين السواحل قصيرة في كثير من المناطق، ولذلك لا يمكن لدولتين متقابلتين أن تمد كل منهما منطقتها الاقتصادية الخالصة إلى 200 ميل من دون أن يحدث تداخل.

وهنا تبدأ المفاوضات… وأحيانا النزاعات.

ليبيا تضع مطالبها أمام الأمم المتحدة

في 27 ماي 2025، قدمت ليبيا إلى الأمم المتحدة إعلانا يتعلق بالحدود الخارجية لجرفها القاري، مرفقا بخريطة تعكس موقف طرابلس.

هذا التحرك أثار اعتراض اليونان، التي ترى أن أجزاء من المناطق التي تطالب بها ليبيا تقع ضمن مناطق تعتبرها أثينا جزءا من جرفها القاري جنوب جزيرة كريت.

لكن الملف لم يتوقف عند اليونان.

ففي 24 ماي 2026، وجهت إيطاليا مذكرة احتجاج إلى ليبيا، أحيلت لاحقا إلى الأمم المتحدة، اعتراضا على أجزاء من الحدود التي تطالب بها طرابلس، معتبرة أنها تمس حقوقا ومصالح إيطالية.

وتتركز إحدى النقاط الحساسة بين خطي الطول 13 درجة و50 دقيقة شرقا و15 درجة و10 دقائق شرقا في وسط البحر المتوسط.

وتربط روما موقفها أيضا بأحكام قضائية دولية سابقة تتعلق بالحدود البحرية في المنطقة، مؤكدة أن أي معالجة للملف يجب أن تتم عبر التفاوض ووفقا للقانون الدولي.

وتونس؟ هنا تكمن أهمية الملف بالنسبة إليها

تونس ليست بعيدة عن هذه المعركة القانونية.

فموقفها من بعض المطالب الليبية يستند إلى حكم محكمة العدل الدولية الصادر سنة 1982 بشأن الجرف القاري بين تونس وليبيا، إضافة إلى الاتفاق الثنائي المبرم بين البلدين سنة 1988.

وبحسب الموقف التونسي، فإن بعض المطالب الليبية المتعلقة بحدود الجرف القاري تتجاوز ما يمكن استخلاصه من هذه الأحكام والاتفاقيات.

وبذلك لا يتعلق الأمر بخلاف تونسي ليبي معزول، بل بملف أوسع بدأت تتقاطع فيه المطالب البحرية لعدة دول متوسطية.

فكل تعديل في خطوط الحدود البحرية يمكن أن تكون له انعكاسات مستقبلية على التنقيب عن النفط والغاز، واستغلال الموارد البحرية، وتركيز المنشآت الطاقية، ومد خطوط الأنابيب والكابلات البحرية.

الغاز ليس وحده في قاع المتوسط

أهمية هذه الحدود لا تتوقف عند النفط والغاز.

ففي البحر المتوسط توجد أيضا منشآت حيوية لنقل الطاقة والبيانات بين دول المنطقة وأوروبا.

ومن أبرز الأمثلة خط أنابيب غرين ستريم، الذي يمتد لنحو 516 كيلومترا ويربط الساحل الليبي بمنطقة غيلا في صقلية، وينقل الغاز المنتج في ليبيا إلى إيطاليا.

كما تنتشر شبكة واسعة من الكابلات البحرية التي تحمل الجزء الأكبر من حركة الاتصالات والبيانات بين القارات.

ولهذا أصبحت حماية قاع البحر قضية استراتيجية بالنسبة إلى أوروبا، خاصة مع تصاعد المخاوف من استهداف البنية التحتية البحرية الحيوية.

من ليبيا إلى كريت… تركيا في المشهد

الخلاف الليبي اليوناني يرتبط بدوره بالاتفاق الذي وقعته تركيا مع الحكومة الليبية في 2019 بشأن تحديد مجالات الصلاحية البحرية.

وتعارض اليونان هذا الاتفاق بشدة، معتبرة أنه يتجاهل الحقوق البحرية للجزر اليونانية، وفي مقدمتها جزيرة كريت.

وتزداد حساسية الملف مع توسع عمليات البحث عن الغاز في المياه الواقعة جنوب وجنوب غرب كريت.

وفي هذا السياق، دخلت شركات طاقة دولية على الخط، من بينها شركة شيفرون، التي وقعت اتفاقيات للتنقيب عن الغاز في مناطق بحرية عميقة قبالة السواحل الجنوبية لليونان، من بينها مناطق قريبة من كريت والبيلوبونيز.

وهنا تتقاطع خرائط التنقيب مع الخرائط التي تستند إليها ليبيا في مطالبها البحرية، ومع الاتفاق الليبي التركي الذي تعتبره أثينا غير مقبول.

معركة خرائط… لكن نتائجها قد تكون مليارية

المثير في هذا الملف أن الأمر لا يتعلق بتغيير حدود يمكن رؤيتها على الأرض، بل بخطوط وإحداثيات على خرائط بحرية.

غير أن تلك الخطوط قد تحدد مستقبلا من يملك حق التنقيب، ومن يملك حق استغلال الموارد، وأين يمكن أن تمر أنابيب الغاز والكابلات البحرية، ومن يملك صلاحية إقامة منشآت في مناطق معينة.

وبالنسبة إلى تونس، فإن استمرار الخلافات حول الحدود البحرية الليبية يفرض عليها متابعة الملف عن قرب، خصوصا أن موقفها ليس وليد التطورات الأخيرة، وإنما يستند إلى أحكام دولية واتفاقات ثنائية سابقة.

وفي المقابل، تجد إيطاليا نفسها أمام معادلة دقيقة: الدفاع عن مصالحها البحرية والقانونية من جهة، والحفاظ على علاقات قوية مع ليبيا من جهة أخرى، خصوصا أن ليبيا تمثل مصدرا مهما للطاقة بالنسبة إلى إيطاليا.

وهكذا، وبينما تبدو الخرائط البحرية بعيدة عن اهتمامات الرأي العام، فإن الخطوط التي ترسم عليها قد تحدد جزءا من مستقبل الطاقة في المتوسط، وقد تجعل قاع البحر في السنوات المقبلة ساحة جديدة للصراع الدبلوماسي والاقتصادي بين دول المنطقة.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى