تعيد دراسة جديدة للفيلسوف الفرنسي سيدريك مولينو ماشيتو فتح النقاش حول فكر عبد الرحمن ابن خلدون، خصوصاً في ما يتعلق بالعلاقة بين الدين والعقل والسلطة السياسية، من خلال قراءة تسعى إلى فهم أفكاره في سياقها التاريخي، بعيداً عن اعتباره مجرد سابق لعلم الاجتماع الحديث.
وتحمل الدراسة عنوان «ابن خلدون وعلم التاريخ: الفلسفة والسياسة والدين في السياق الإسلامي قبل العصر الحديث»، وقد صدرت سنة 2026 عن دار «بريل» للنشر، ضمن سلسلة متخصصة في الفكر والتاريخ الإسلاميين.
ويؤكد مولينو ماشيتو، المتخصص في الفلسفة العربية وتاريخ الفكر السياسي في المجتمعات الإسلامية قبل العصر الحديث، أهمية العودة إلى المصادر الفكرية التي استند إليها ابن خلدون، بما في ذلك التقاليد الفلسفية والفقهية والكلامية والتاريخية، لفهم أصالة مشروعه بعيداً عن المقارنات التي تختزله في كونه مفكراً سبق الحداثة الأوروبية.
وتتمحور الدراسة حول «المقدمة»، التي سعى ابن خلدون من خلالها إلى تأسيس «علم العمران»، القائم على دراسة أحوال الاجتماع البشري والعوامل التي تتحكم في نشأة المجتمعات والدول وتطورها.
وتبرز أهمية هذا المنهج، وفق المقاربة التي يعرضها الباحث، في إخضاع الروايات التاريخية للتحقق، ليس فقط من خلال فحص مصادرها وموثوقية ناقليها، وإنما أيضاً عبر اختبار مدى توافق الأحداث المروية مع الظروف الاجتماعية والسياسية وطبيعة المجتمعات البشرية.
كما تتناول الدراسة مفهوم «العصبية» في فكر ابن خلدون، باعتباره أداة لفهم نشأة السلطة السياسية وتماسك الجماعات وصعود الدول وتراجعها، انطلاقاً من عوامل اجتماعية وتاريخية، وليس من خلال تفسيرات دينية مباشرة وحدها.
وتطرح هذه القراءة مسألة الاستقلال النسبي للتفكير السياسي والتاريخي عن المرجعية الدينية في الفكر الإسلامي قبل العصر الحديث، مع التشديد على ضرورة عدم إسقاط المفاهيم الحديثة للعلمانية أو الفصل بين الدين والدولة على سياق القرن الرابع عشر.
وتبحث الدراسة كذلك في التمييز بين الوظيفة السياسية للسلطة، المرتبطة بتنظيم شؤون المجتمع، ووظيفتها الدينية والروحية، في محاولة لفهم كيفية تمايز هذين البعدين داخل فكر ابن خلدون، من دون أن يعني ذلك إقصاء الدين من الحياة العامة.
ولا تقتصر المقاربة على هذه المسائل، بل تشمل مراجعة تصورات شائعة بشأن ابن خلدون، من بينها النظر إليه باعتباره مفكراً معزولاً عن تقاليد عصره، أو اختزال رؤيته للتاريخ في نظرية حتمية ودائرية.
ويشغل سيدريك مولينو ماشيتو منصب مدير برامج في الكلية الدولية للفلسفة للفترة 2022-2028، كما يرأس تحرير مجلة «رو ديكارت»، وتتركز أبحاثه على الفلسفة القديمة والوسيطة والفكر السياسي والفلسفة الدينية ونظرية المعرفة في العلوم الإنسانية.
وتدعو هذه القراءة، في مجملها، إلى إعادة النظر في التراث الفكري الإسلامي من خلال فهم سياقاته ومناهجه، بدلاً من الاكتفاء بتفسيره باعتباره مرحلة تمهيدية لظهور الأفكار الحديثة.
