في تطور طبي قد يفتح صفحة جديدة في علاج واحد من أكثر السرطانات فتكاً، منحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، أمس الأربعاء 26 أوت 2026، ترخيصاً عاجلاً لدواء جديد يحمل اسم «راسُونك» ويحتوي على المادة الفعالة «داراكسونراسيب»، لعلاج المرضى المصابين بسرطان البنكرياس المنتشر.
الخبر لا يخص الولايات المتحدة وحدها. ففي تونس، كما في بقية دول العالم، يمثل سرطان البنكرياس مرضاً شديد الخطورة، وتكشف أحدث بيانات المرصد العالمي للسرطان عن 739 حالة جديدة في تونس خلال سنة 2024، مع تقدير تسجيل 660 وفاة مرتبطة بالمرض خلال السنة نفسها.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام هي أحدث تقديرات منشورة لتونس ضمن بيانات المرصد العالمي للسرطان، وليست إحصاءً وطنياً مباشراً لسنة 2026. وتعتمد تقديرات الإصابة في تونس على بيانات سجلي السرطان في سوسة والشمال، مع منهجية إحصائية لتعميمها على السكان.
لماذا أثار الدواء كل هذا الاهتمام؟
تكمن أهمية الدواء الجديد في أنه لا يعمل بالطريقة التقليدية للعلاج الكيميائي، وإنما يستهدف بروتينات من عائلة «راس» المرتبطة بنمو الخلايا السرطانية. وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة لأن طفرات «راس» موجودة في الغالبية الساحقة من حالات سرطان البنكرياس.
وفي تجربة سريرية شملت نحو 500 مريض مصاباً بسرطان البنكرياس المنتشر بعد فشل علاج سابق، بلغ متوسط البقاء لدى المرضى الذين تلقوا الدواء 13.2 شهراً، مقابل 6.7 أشهر لدى المرضى الذين تلقوا العلاج الكيميائي، أي ما يقارب ضعف المدة.
وهنا تكمن أهمية التطور: الدواء ليس علاجاً شافياً للسرطان، لكنه يوفر للمرضى الذين وصل مرضهم إلى مرحلة متقدمة خياراً علاجياً جديداً يمكن أن يطيل فترة بقائهم على قيد الحياة بصورة كبيرة مقارنة بالعلاج المستخدم في المقارنة السريرية.
وماذا يعني ذلك للمريض التونسي؟
بالنسبة إلى تونس، فإن السؤال الأهم لم يعد فقط: هل يوجد علاج جديد؟ بل متى يمكن أن يصل هذا العلاج إلى المرضى التونسيين، وبأي شروط وبأي كلفة؟
فالترخيص الأمريكي الحالي يخص فئة محددة من المرضى البالغين المصابين بسرطان البنكرياس المنتشر، ممن تلقوا علاجاً جهازياً سابقاً أو لا يمكنهم تلقي علاج كيميائي مركب. وبالتالي، لا يتعلق الأمر بكل المصابين بسرطان البنكرياس.
كما أن الترخيص الأمريكي لا يعني أن الدواء أصبح متاحاً تلقائياً في تونس. فإدخاله إلى السوق التونسية يحتاج إلى المسار التنظيمي والصحي المعمول به في البلاد، فضلاً عن تحديد كيفية تمويله وتوفير شروط استعماله.
وتزداد أهمية عامل الكلفة عندما نعلم أن السعر المعلن في الولايات المتحدة يبلغ نحو 39,800 دولار اي 115 ألف دينار لعلاج مدته 30 يوماً، وفق المعطيات التي رافقت إطلاق الدواء. وهذا يطرح، بالنسبة إلى تونس، سؤال التغطية الصحية والتكفل بمثل هذه العلاجات الحديثة مرتفعة الثمن إذا أصبحت متاحة مستقبلاً.
سرطان قاتل بأرقام تونسية مقلقة
عالمياً، يبقى سرطان البنكرياس من أكثر السرطانات فتكاً، بسبب صعوبة اكتشافه في مراحل مبكرة وضعف خيارات العلاج في المراحل المتقدمة. وتظهر بيانات المرصد العالمي للسرطان أن المرض سجل مئات آلاف الإصابات والوفيات عالمياً، مع فارق محدود نسبياً بين عدد الإصابات وعدد الوفيات، وهو ما يعكس شراسته.
وفي تونس، فإن تسجيل 739 حالة جديدة وتقدير 660 وفاة خلال عام واحد يعطي فكرة عن حجم التحدي الصحي، حتى وإن كانت هذه الأرقام تقديرية وليست سجلاً وطنياً شاملاً.
لذلك، فإن الموافقة الأمريكية على «راسُونك» قد تكون أكثر من مجرد خبر طبي من الولايات المتحدة بالنسبة إلى تونس. إنها تطور يستحق المتابعة، خصوصاً إذا نجحت التجربة في فتح الباب أمام علاجات أخرى تستهدف الطفرات الجينية التي طالما اعتبرت من أصعب الأهداف في علاج السرطان.
لكن الطريق إلى المريض التونسي لم يبدأ بعد: فالترخيص الأمريكي هو الخطوة الأولى، أما السؤال الحقيقي فهو متى وكيف سيصل هذا الدواء إلى تونس؟ وهذا يعني أن العلاج، إذا وصل إلى تونس بالسعر نفسه تقريباً، سيكون بعيداً جداً عن القدرة المالية لغالبية المرضى التونسيين، ولذلك تصبح مسألة التكفل به من قبل منظومة التأمين والجهات الصحية أهم من مجرد توفره في السوق.
