في خضم الحملات الأمنية المتواصلة ضد شبكات ترويج المؤثرات العقلية، عاد طبيب القلب ذاكر لهيذب إلى الحديث عن مادة أصبحت تثير مخاوف متزايدة في تونس والمنطقة: البريغابالين، المعروف تجارياً باسم «ليريكا»، مؤكداً أن الحديث عن هذا الدواء يجب ألا يقتصر على كونه مادة مخدرة في السوق السوداء، بل يجب أولاً تذكّر أنه دواء استُحدث لعلاج مرضى يعانون من آلام عصبية شديدة.
وقال لهيذب، في تدوينة نشرها على صفحته، موجهاً الشكر إلى فرق الديوانة والحرس الوطني والأمن ومقاومة المخدرات، إن هذه المصالح تقوم بعمل مهم في تفكيك شبكات ترويج هذه المادة، قبل أن يوضح أن البريغابالين ظهر منذ سنوات الألفين كدواء فعال خصوصاً في علاج بعض أنواع آلام الأعصاب، ومن بينها الاعتلال العصبي المرتبط بمرض السكري.
ويُستخدم البريغابالين بالفعل في علاج آلام الأعصاب الطرفية والمركزية، كما يدخل في علاج بعض حالات الصرع واضطرابات أخرى وفق الاستطباب الطبي. وتظهر النشرات الدوائية أن الجرعات العلاجية تكون محددة ومقسمة بحسب حالة المريض ووظائف الكلى والاستجابة للعلاج، ولا يجوز التعامل معها خارج الوصفة الطبية.
من دواء يخفف الألم إلى سوق سوداء
المشكلة، وفق لهيذب، لا تكمن في الدواء عندما يُستعمل بالطريقة الطبية الصحيحة، وإنما في تحوله إلى مادة تتداول خارج المسار الصحي وتُستهلك بطرق وجرعات مختلفة عن الاستعمال الطبي، خصوصاً عندما يتم الجمع بينها وبين مواد أخرى أو الكحول.
وتزداد المخاطر في حالات الجرعات الزائدة، إذ يمكن أن يؤدي التسمم بالبريغابالين إلى النعاس الشديد والارتباك واضطرابات الوعي، وقد تم الإبلاغ في حالات الجرعة المفرطة عن التشنجات والغيبوبة وغيرها من المضاعفات. كما أن الخطر قد يرتفع عند وجود أدوية أو مواد أخرى تؤثر في الجهاز العصبي المركزي.
ولهذا فإن الرسالة الأساسية التي يوجهها الطبيب إلى المرضى تختلف تماماً عن الرسالة الموجهة إلى المتعاطين خارج الإطار الطبي: المريض الذي يتناول البريغابالين وفق وصفة ومتابعة طبية لا ينبغي أن يتعامل مع الدواء كما لو أنه مخدر بحد ذاته، في حين أن استعماله خارج الوصفة أو بجرعات غير مراقبة قد يحوله إلى مصدر خطر حقيقي.
شبكة تهريب إقليمية.. وتونس في قلب الطريق
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تحدثت فيه السلطات التونسية عن تنامي سوق البريغابالين في البلاد.
فقد قال رئيس مصلحة مكافحة المخدرات بالشرطة العدلية بالقرجاني محمد علي الشايبي، في تصريح نقلته وسائل إعلام تونسية في سبتمبر الجاري، إن أقراص «ليريكا» أصبحت جزءاً من سوق استهلاك قائم في تونس، مشيراً إلى أن شبكات التهريب تنقل البريغابالين من الهند باتجاه الجزائر عبر تركيا وليبيا وتونس، مع بقاء جزء من الشحنات داخل تونس وتحوله إلى السوق المحلية.
وفي السياق نفسه، تحدث المسؤول الأمني عن ارتفاع عدد قضايا المخدرات في تونس من أكثر من 5 آلاف قضية سنة 2020 إلى أكثر من 15 ألف قضية سنة 2025، وعن ارتفاع عدد الموقوفين في قضايا التهريب والاتجار والاستهلاك من نحو 10 آلاف إلى أكثر من 27 ألف شخص خلال الفترة نفسها.
من تونس إلى الجزائر.. ملايين الكبسولات
وتكشف العمليات الأمنية الأخيرة في المنطقة عن حجم السوق التي أصبحت تحيط بهذه المادة.
ففي الجزائر، أعلنت السلطات في أوت الماضي تفكيك شبكة إجرامية دولية منظمة وصفت العملية بأنها الأكبر من نوعها في حصيلة عمليات الأمن الوطني، وأسفرت عن حجز 10 ملايين و400 ألف كبسولة من البريغابالين، إلى جانب أكثر من 33 كيلوغراماً من الكوكايين، وإيقاف 25 مشتبهاً بهم. كما تم حجز 19 مركبة ومبالغ مالية قالت السلطات إنها من عائدات النشاط الإجرامي.
ولم تتوقف العمليات عند هذه العملية الكبرى. ففي سبتمبر الجاري حجزت مصالح الدرك الجزائري بالمسيلة أكثر من 373 ألف قرص من البريغابالين بتركيز 300 مليغرام، بينما حجزت مصالح الجمارك بالأغواط 523 ألف قرص من المادة نفسها، كما شهدت قسنطينة عملية حجز لنحو نصف مليون كبسولة.
وتونس ليست خارج الصورة
أما في تونس، فقد سبق لمصالح الديوانة أن أعلنت عن عمليات كبيرة لحجز البريغابالين، من بينها حجز 46 ألفاً و200 قرص من عيار 300 مليغرام في معبر رأس جدير، وضبط أكثر من 561 ألف قرص في عملية للحرس الديواني بتطاوين، إضافة إلى حجز 37 ألفاً و500 قرص داخل طرود بريدية قادمة من الخارج.
وتظهر هذه العمليات أن المسألة لم تعد مرتبطة باستعمال دواء بطريقة غير قانونية من قبل أفراد فقط، وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً بشبكات نقل وتخزين وتوزيع عابرة للحدود.
رسالة الطبيب: لا تخلطوا بين الدواء والمخدر
المفارقة التي يلفت إليها ذاكر لهيذب هي أن المادة نفسها التي يمكن أن تمنح مريضاً يعاني من ألم عصبي شديد فرصة لاستعادة النوم والحياة الطبيعية، يمكن أن تتحول خارج الاستعمال الطبي إلى مادة خطرة.
لذلك، فإن التعامل مع البريغابالين يحتاج إلى قدر من الدقة: ليس كل من يتناول الدواء مدمناً، وليس كل بريغابالين مخدراً، لكن استعماله خارج الوصفة الطبية، وخصوصاً عند خلطه بمواد أخرى أو تناوله بجرعات غير معروفة، يمكن أن يحول دواءً طبياً إلى خطر حقيقي.
وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم للمرضى واضحة: البريغابالين دواء يحتاج إلى وصفة ومتابعة طبية، ولا ينبغي إيقافه أو تغيير جرعته بشكل مفاجئ من دون استشارة الطبيب. أما بالنسبة إلى الشباب، فإن الحصول عليه من السوق السوداء أو استعماله بهدف التأثير النفسي بدلاً من العلاج يختلف جذرياً عن استخدامه الطبي، وقد يحمل مخاطر لا يمكن تقديرها مسبقاً.
