منذ أن أطلقت منظمة «ألارم فون» نداءها في 15 سبتمبر بشأن قارب قالت إنه غادر سواحل صفاقس وعلى متنه 29 شخصاً، لم يظهر إلى حد مساء 18 سبتمبر أي إعلان رسمي واضح يكشف مصيرهم. لا تأكيد على إنقاذهم، ولا إعلان عن اعتراضهم، ولا بلاغ عن وصولهم إلى إيطاليا، ولا تأكيد على غرق القارب. وبين هذه الاحتمالات جميعاً، يبقى السؤال مفتوحاً: أين ذهب هؤلاء؟
في 15 سبتمبر الجاري، أعلنت منظمة «ألارم فون» أنها تلقت بلاغاً بشأن قارب يحمل 29 شخصاً غادر صفاقس يوم 11 سبتمبر، مشيرة إلى أن أقارب وأفراد عائلات الموجودين على متنه لم يتلقوا أخباراً عنهم لمدة أربعة أيام.
وقالت المنظمة إنها أبلغت مركز تنسيق عمليات البحث والإنقاذ البحري في تونس، ومركز التنسيق المالطي، وخفر السواحل الإيطالي، مطالبة السلطات بتقديم معلومات حول مصير المجموعة.

لكن اللافت أن النداء لم يتضمن موقعاً دقيقاً للقارب، كما لم يعلن عن غرقه أو العثور على حطام أو جثث. وحتى التقارير التي نقلت النداء في 16 سبتمبر أكدت عدم وجود معلومات رسمية حول وضع الأشخاص الـ29 أو موقع القارب.
وبعد ثلاثة أيام إضافية، لا يزال السؤال نفسه قائماً.
لماذا لم يصدر أي توضيح؟
الصمت الرسمي لا يعني بالضرورة أن السلطات لم تتحرك، لكنه يعني أن لا معلومة علنية مؤكدة وصلت إلى الرأي العام بشأن هذه المجموعة تحديداً.
وهنا تكمن أهمية القضية.
فإذا كان القارب قد تم اعتراضه في المياه التونسية، يفترض أن تكون هناك عملية أمنية أو بحرية يمكن توثيقها.
وإذا تم إنقاذ الأشخاص في المياه الدولية أو داخل منطقة بحث وإنقاذ تابعة لبلد آخر، فإن ذلك يمكن أن يترك أثراً في سجلات أو بيانات الجهة التي قامت بالإنقاذ.
أما إذا وصل القارب إلى إيطاليا، فمن المفترض أيضاً أن يظهر لاحقاً في بيانات الوصول أو عمليات الإنزال، وإن كانت سرعة ظهور المعلومات تختلف من حالة إلى أخرى.
لكن لا شيء من ذلك ظهر علناً حتى الآن في المصادر التي أمكن مراجعتها.
هل يعني ذلك أنهم غرقوا؟
لا.
هذه النقطة أساسية.
منظمة «ألارم فون» لم تقل إن القارب غرق، بل تحدثت عن فقدان الأخبار والاتصال وطالبت السلطات بكشف المصير. كما أن وكالة «نوفا» الإيطالية، عند نقلها للخبر في 16 سبتمبر، أشارت إلى عدم وجود تأكيد رسمي حول حالة الأشخاص الـ29 أو موقع القارب.
لذلك فإن تحويل القضية إلى خبر عن «غرق 29 مهاجراً» سيكون سابقاً لأوانه.
لكن العكس صحيح أيضاً: استمرار الصمت لا يسمح باعتبار المجموعة قد وصلت بأمان.
المعلومة الوحيدة التي يمكن تثبيتها حتى الآن هي أن مصيرهم غير معروف علناً.
هل يمكن أن تكون هناك عملية اعتراض لم يُعلن عنها؟
هذا أحد السيناريوهات الممكنة.
في عمليات الهجرة البحرية، قد تنتهي رحلة القارب باعتراضه قبل الوصول إلى المياه الإيطالية، سواء من وحدات تونسية أو في سياق عمليات بحرية أخرى.
والسابق يؤكد أن عمليات الإنقاذ والاعتراض قد تكون معقدة من حيث تسلسل المعلومات. ففي حادثة سابقة قبالة صفاقس، أعلنت السلطات التونسية عن تدخل وحدات الحرس البحري بالتنسيق مع البحرية الوطنية بعد تلقي اتصال حول غرق قارب، وأسفرت العملية عن إنقاذ مهاجرين وانتشال جثث.
لكن لا توجد، حتى الآن، معلومة منشورة تربط مثل هذه العملية بالقارب الذي تتحدث عنه «ألارم فون».
وماذا لو كان القارب قد وصل إلى إيطاليا؟
هذا احتمال آخر لا يمكن إسقاطه.
فقد تنقطع الاتصالات مع القارب أو مع الأشخاص الموجودين عليه، ثم يظهر لاحقاً أنهم وصلوا إلى وجهتهم أو تم إنقاذهم ونقلهم إلى ميناء أوروبي.
لكن البحث في المعلومات المتاحة حتى مساء 18 سبتمبر لم يكشف عن إعلان إيطالي يربط مجموعة من 29 شخصاً بالقارب الذي قالت «ألارم فون» إنه غادر صفاقس في 11 سبتمبر.
وهنا تظهر مشكلة أخرى: الرقم 29 نفسه هو الرقم الذي ورد في البلاغ الأولي للمنظمة، وليس حصيلة أعلنتها جهة رسمية بعد عملية إنقاذ أو اعتراض.
وماذا عن احتمال أن يكونوا من دول إفريقيا جنوب الصحراء؟
لا توجد في النداء المنشور من «ألارم فون» معلومات عن جنسيات الأشخاص الـ29.
وبالتالي لا يمكن القول إنهم تونسيون، كما لا يمكن القول إنهم من إفريقيا جنوب الصحراء.
لكن الاحتمال الثاني قائم، خصوصاً أن قوارب تنطلق من سواحل صفاقس تضم في حالات عديدة مهاجرين من جنسيات مختلفة.
وفي أبريل 2025، على سبيل المثال، أعلنت السلطات التونسية بعد حادث غرق قبالة صفاقس انتشال ثماني جثث وإنقاذ 29 مهاجراً، وقالت إن القارب كان يحمل مهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء وجنسيات أجنبية أخرى.
لذلك فإن عدم ظهور عائلات تونسية تتحدث علناً عن المجموعة لا يكفي وحده للاستنتاج بأن الركاب أجانب، لكنه يبقي هذا الاحتمال مطروحاً.
الصمت قد تكون له أكثر من قراءة
هناك أربعة احتمالات رئيسية ما زالت مفتوحة:
أولاً: اعتراض القارب وإعادة ركابه إلى تونس دون أن تتطابق العملية علناً مع المعلومات التي نشرتها «ألارم فون».
ثانياً: إنقاذ المجموعة من طرف سفينة أو جهة بحرية ثم نقلها إلى ميناء آخر.
ثالثاً: وصول القارب إلى إيطاليا أو منطقة أخرى دون أن تكون المعلومات قد ظهرت بعد في المصادر المفتوحة.
رابعاً: تعرض القارب لحادث أو غرق، وهو الاحتمال الأخطر، لكن لا توجد حتى الآن أدلة منشورة تسمح بإثباته.
وقد أثبتت حوادث سابقة في وسط البحر المتوسط أن فقدان الاتصال لا يعني بالضرورة معرفة المصير فوراً. ففي حالات وثقتها «ألارم فون» نفسها، ظل أشخاص مفقودين أياماً قبل ظهور معلومات عن إنقاذهم، بينما انتهت حالات أخرى بكوارث بحرية.