الرئيسيةأخبار تونسالمخدرات تتمدد في تونس.. فلماذا لا تضرب الدولة الشبكة بأكملها على طريقة...

المخدرات تتمدد في تونس.. فلماذا لا تضرب الدولة الشبكة بأكملها على طريقة «ريكو» الأمريكي؟

بعد أكثر من ثلاثة عقود على صدور قانون المخدرات، تونس تفتح من جديد ملف التشريع لمواجهة شبكات تتطور أساليبها وتتجاوز الحدود وتستفيد من التكنولوجيا الحديثة

تستعد تونس لمراجعة قانون المخدرات المعمول به منذ سنة 1992، في خطوة تبدو أبعد من مجرد تعديل العقوبات، إذ تطرح للمرة الأولى بشكل واضح مسألة تحديث أدوات البحث والتحقيق بما يتلاءم مع طبيعة شبكات الاتجار بالمخدرات التي لم تعد تشتغل بالأساليب التقليدية، بل أصبحت تعتمد على وسائل اتصال حديثة وشبكات عابرة للحدود وأساليب أكثر تعقيداً في التخفي والتحرك وتوزيع الأدوار.

وأعلن رئيس مصلحة مكافحة المخدرات بإدارة الشرطة العدلية بالقرجاني، محمد علي الشعيبي، أن وزارة الداخلية تعمل على تنقيح القانون عدد 52 لسنة 1992 المؤرخ في 18 ماي 1992 والمتعلق بالمخدرات، معتبراً أن تطور الجريمة فرض البحث عن آليات قانونية جديدة تساعد أجهزة الأمن والقضاء على تفكيك الشبكات.

وجاءت تصريحات الشعيبي خلال مشاركته في برنامج حول مكافحة المخدرات بثته القناة الأولى للتلفزة الوطنية التونسية يوم 10 سبتمبر 2026.

من مطاردة المروج إلى تفكيك الشبكة

اللافت في التصريحات الجديدة أن النقاش لم يعد مقتصراً على تشديد العقوبات أو تخفيفها، وهي المسألة التي طبعت الجدل حول قانون المخدرات في تونس خلال السنوات الماضية، وإنما انتقل إلى كيفية الوصول إلى الشبكات نفسها وتفكيكها من الداخل.

وقال الشعيبي، رداً على سؤال حول التنقيحات المنتظرة، إن المصالح المختصة تطالب بـ«آليات جديدة في القانون تساعدنا على تفكيك الشبكات»، مشيراً تحديداً إلى الحاجة إلى اعتماد طرق تحر خاصة، من بينها اعتراض الاتصالات والاختراق.

وأوضح أن تطور الجريمة واستغلال التكنولوجيا الحديثة يجعلان مكافحة الشبكات الدولية بحاجة إلى آليات خاصة يؤطرها القانون.

وهنا تبرز القضية الأساسية التي قد تكون وراء الإصلاح المرتقب: هل ما تحتاجه تونس هو مجرد تنقيح لقانون المخدرات، أم أنها بحاجة إلى إطار قانوني أوسع لمواجهة الجريمة المنظمة يشبه، من حيث الفلسفة، قوانين مكافحة الشبكات الإجرامية في دول أخرى؟

لماذا ظهر اسم «ريكو»؟

مصطلح «ريكو» يحيل أساساً إلى القانون الأمريكي المعروف باسم قانون المنظمات المتأثرة والفاسدة، وهو تشريع استُخدم لملاحقة أعضاء الشبكات الإجرامية ليس فقط بسبب الجريمة المنفردة التي ارتكبها أحد أفرادها، وإنما من خلال إثبات وجود تنظيم أو نمط إجرامي مستمر والاستفادة من العلاقات والتمويل والأصول التي تقف وراءه.

وبالتالي، فإن السؤال الذي تطرحه الحالة التونسية ليس بالضرورة: هل تحتاج تونس إلى نسخة حرفية من القانون الأمريكي؟

الأقرب إلى الواقع هو سؤال آخر:

هل تحتاج تونس إلى منظومة قانونية تسمح بملاحقة الشبكة باعتبارها شبكة، وليس فقط ملاحقة كل فرد باعتباره متهماً في جريمة منفردة؟

وهذا فارق جوهري.

ففي قضايا المخدرات الكبرى، قد يكون المروج الذي يقع إيقافه في الشارع هو الحلقة الأخيرة فقط في سلسلة أطول تضم ممولين ووسطاء ومهربين ومخازن ووسائل نقل وأشخاصاً يتولون تحويل الأموال وإخفاء العائدات.

وبالتالي فإن الوصول إلى رأس الشبكة يتطلب أدوات تحقيق مختلفة عن تلك التي تكفي لإيقاف شخص بحوزته كمية من المخدرات.

تونس ليست بلا أدوات تحقيق خاصة

لكن من المهم قانونياً عدم تقديم المسألة وكأن تونس لا تملك أي تشريع يسمح باستخدام وسائل تحقيق خاصة.

فالتشريع التونسي يتضمن بالفعل أحكاماً تسمح، في مجالات محددة، باعتراض الاتصالات والاختراق والمراقبة في إطار شروط وقرارات قضائية. كما أن قانون مكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال يتضمن فصولاً خاصة بتقنيات التحقيق، من بينها اعتراض الاتصالات والاختراق والمراقبة السمعية البصرية.

كما أن مرسوم سنة 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال ينظم بدوره إمكان اللجوء إلى اعتراض الاتصالات في إطار التحقيقات وبقرار قضائي معلل.

بل إن مشروع قانون سابق متعلق بالمخدرات تضمن هو الآخر باباً خاصاً بـ«تقنيات التحقيق الخاصة»، وشمل اعتراض الاتصالات والاختراق والمراقبة، ما يعني أن فكرة منح أجهزة التحقيق أدوات أكثر تطوراً في قضايا المخدرات ليست جديدة تماماً على النقاش التشريعي التونسي.

المسألة المطروحة اليوم، إذن، قد تكون توحيد هذه الأدوات وتوسيع نطاق استعمالها في مواجهة شبكات الاتجار بالمخدرات، مع وضع ضمانات قضائية واضحة لاستخدامها.

ماذا بقي من قانون 1992؟

قانون المخدرات عدد 52 لسنة 1992 أصبح، بعد أكثر من ثلاثين سنة، يواجه واقعاً إجرامياً مختلفاً تماماً عن الواقع الذي صدر فيه.

فالتجارة غير المشروعة لم تعد محصورة في علاقات محلية مباشرة بين مروج ومستهلك، بل أصبحت الشبكات قادرة على استخدام الهواتف والتطبيقات والمنصات الرقمية ووسائل تحويل الأموال وأساليب التخفي الحديثة، فضلاً عن امتدادها إلى أكثر من دولة.

وكان آخر تعديل جوهري للقانون سنة 2017، لكنه كان تعديلاً جزئياً.

فالقانون عدد 39 لسنة 2017 المؤرخ في 8 ماي 2017 عدّل الفصل 12 من قانون 1992، وأعاد تحديد نطاق تطبيق الفصل 53 من المجلة الجزائية المتعلق بظروف التخفيف، بحيث استثنى بعض الجرائم وأبقى إمكانية تطبيقه على الجرائم الواردة في الفصلين 4 و8 من قانون المخدرات.

وبذلك لم يكن تعديل 2017 إعادة صياغة شاملة لمنظومة مكافحة المخدرات أو للجريمة المنظمة المرتبطة بها.

من «الزطلة» إلى الشبكات الدولية

ويحمل قانون 1992 أيضاً إرثاً ثقيلاً من الجدل الاجتماعي والحقوقي، خصوصاً بسبب الطريقة التي عومل بها مستهلكو المخدرات.

فالقانون، قبل تعديل 2017، كان يفرض عقوبات سالبة للحرية اعتبرها حقوقيون قاسية جداً على المستهلكين، خصوصاً الشباب الذين يجدون أنفسهم داخل المنظومة السجنية بسبب استهلاك المخدرات، في حين أن الخطر الأكبر الذي تمثله تجارة المخدرات يكمن في الشبكات التي تمول عمليات التهريب والتوزيع وتستفيد مالياً منها.

ومن هنا تبدو الحاجة إلى الإصلاح أكثر تعقيداً من مجرد رفع العقوبات أو تخفيضها.

القانون الجديد، إذا صدر، سيكون مطالباً في الوقت نفسه بالفصل بوضوح بين المستهلك والشبكة المنظمة، وبين الحيازة للاستهلاك والاتجار، وبين الحلقة الصغيرة والعناصر التي تقف خلف التمويل والتوزيع والتهريب.

هل تحتاج تونس فعلاً إلى «ريكو»؟

الإجابة ليست بالضرورة نعم أو لا.

فتونس قد لا تحتاج إلى استنساخ القانون الأمريكي بحذافيره، لأن نظامها القانوني ومؤسساتها القضائية مختلفان، ولأن لديها بالفعل نصوصاً تتعلق بالجريمة المنظمة وغسل الأموال والجرائم الإلكترونية وتقنيات التحقيق الخاصة.

لكنها قد تحتاج إلى فلسفة شبيهة بقانون ريكو في نقطة أساسية: الانتقال من ملاحقة الجريمة المنفردة إلى ملاحقة البنية الإجرامية التي تنتج هذه الجرائم.

وهذا يعني أن أي إصلاح حقيقي لقانون المخدرات يمكن أن يركز على عدة محاور في آن واحد:

  • تمكين التحقيقات من تتبع الشبكات وليس المروجين الصغار فقط.
  • توسيع أدوات التحقيق الخاصة في إطار إذن ورقابة قضائية واضحة.
  • تتبع الأموال والعائدات الناتجة عن الاتجار بالمخدرات.
  • تعزيز آليات حجز ومصادرة الأموال والممتلكات المرتبطة بالشبكات.
  • التعامل مع الأدلة الرقمية والاتصالات الحديثة.
  • تحسين التعاون القضائي والأمني مع الدول التي ترتبط بها شبكات التهريب.
  • تشديد الملاحقة على المهربين والممولين والمنظمين، مع عدم الخلط بينهم وبين المستهلكين.

المعركة الحقيقية ليست مع «الزطلة» فقط

التحدي الذي يفرض نفسه على تونس اليوم هو أن تجارة المخدرات لم تعد مجرد قضية أمنية تقليدية.

إنها قضية مال وشبكات واتصالات وتكنولوجيا وتهريب وغسل أموال وجريمة منظمة عابرة للحدود.

ولهذا فإن تصريحات رئيس مصلحة مكافحة المخدرات بالقرجاني حول الحاجة إلى اعتراض الاتصالات والاختراق تفتح باباً أوسع من مجرد تنقيح قانون قديم.

السؤال الحقيقي الذي سيحدد قيمة الإصلاح المرتقب هو:

هل سيكون القانون الجديد قادراً على الوصول إلى من يقف خلف الشبكة، ومن يمولها، ومن يديرها، ومن يغسل أموالها، ومن ينسق عملياتها عبر الحدود؟ أم سيظل التركيز الأكبر على الحلقة الأضعف التي تقع في قبضة الأمن في نهاية السلسلة؟

إذا نجحت تونس في الانتقال من مطاردة المروج إلى تفكيك الشبكة، فقد لا تكون بحاجة إلى استيراد «ريكو» أمريكي.

أما إذا بقي القانون يركز أساساً على الجريمة الفردية، فإن السؤال عن الحاجة إلى تشريع تونسي جديد لمكافحة الجريمة المنظمة سيظل قائماً بقوة.

والأهم أن أي توسيع لصلاحيات الاعتراض والاختراق يجب أن يأتي بنصوص دقيقة، وإذن قضائي ورقابة واضحة وضمانات تمنع تحول أدوات التحقيق الاستثنائية إلى أدوات مفتوحة بلا حدود.

فالمطلوب ليس قانوناً أشد فقط، وإنما قانون أكثر قدرة على الوصول إلى رأس الشبكة، وأكثر عدلاً في التعامل مع من يوجد في أسفلها.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى