دخل موسم حصاد الحبوب في تونس لسنة 2026 وسط آمال كبيرة بتحقيق إنتاج استثنائي، بعد أشهر من الأمطار الغزيرة التي أعادت الحياة إلى السدود ورفعت منسوب التفاؤل لدى الفلاحين والسلطات على حد سواء. لكن مع تقدم عمليات الحصاد، اصطدمت التوقعات بواقع مختلف، بعدما تبين أن عدداً كبيراً من السنابل التي بدت مكتملة النمو كانت فارغة أو تحتوي على عدد محدود من الحبوب، ما انعكس مباشرة على المردودية وأعاد الجدل حول الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة.
وكانت وزارة الفلاحة قد رجحت في بداية الموسم إمكانية تحقيق محصول يقارب 1.9 مليون طن، مع الإشارة إلى أن المساحات المزروعة بلغت نحو 991 ألف هكتار، منها حوالي 950 ألف هكتار قابلة للحصاد، تتوزع أساساً بين القمح الصلب والقمح اللين والشعير.
غير أن الأرقام الميدانية بدأت تعطي مؤشرات مغايرة، إذ أكد الخبير في السياسات الزراعية أنيس خرباش، في تصريح لـ »العربي الجديد »، أن الكميات التي تم تجميعها حتى الآن لم تتجاوز 800 ألف طن، رغم تقدم موسم الحصاد بأكثر من 60 بالمائة مع بداية شهر يوليو، وهو ما يطرح تساؤلات حول إمكانية بلوغ التقديرات الأولية.
الفلاحون: المشكلة لم تعد في الأمطار
وفي حديثه لـ »العربي الجديد »، أكد المزارع رضا الراجحي أن الموسم الحالي كان استثنائياً من حيث التساقطات، إلا أن النتائج لم تكن في مستوى ما انتظره المنتجون.
وقال إن الإشكال لم يعد مرتبطاً بندرة الأمطار كما كان خلال سنوات الجفاف، بل أصبح يرتبط، في تقديره، بعوامل تقنية وهيكلية داخل منظومة إنتاج الحبوب، معتبراً أن نوعية بعض البذور المستعملة، وجودة الأسمدة والمبيدات، إلى جانب برامج الإحاطة الفنية، كلها عناصر تستحق التقييم.
وأضاف الراجحي أن تونس فقدت تدريجياً جزءاً مهماً من أصنافها المحلية التي كانت متأقلمة مع المناخ والتربة وتتميز بقدرتها على مقاومة الأمراض والجفاف، في مقابل توسع استعمال أصناف تجارية أو مستوردة تتطلب ظروف إنتاج أكثر دقة.
مهندس مختص: لا علاقة للبذور… والسبب الحقيقي هو موجات الحر
غير أن حاتم بالشّيخ محمد، الباحث بالمعهد الوطني للبحث الزّراعي بتونس تحدث إلى تونيزي تيليغراف، قدم تفسيراً علمياً مغايراً، معتبراً أن ربط ظاهرة السنابل الفارغة بجودة البذور أو بالأصناف المحلية « يحتوي على العديد من المغالطات العلمية ».
وأوضح أن السنابل الفارغة ليست ناتجة عن نوعية البذور المستعملة، سواء كانت محلية أو محسنة أو مستوردة، وإنما ترتبط أساساً بالظروف المناخية التي صاحبت مرحلة الإزهار.
وبيّن أن عدداً من حقول القمح تعرض هذا الموسم إلى ارتفاع شديد في درجات الحرارة وموجات حر خلال فترة الإزهار، وهي المرحلة التي تتم خلالها عملية التلقيح والإخصاب.
وأضاف أن الحرارة المرتفعة خلال هذه الفترة تؤدي إلى فشل أو ضعف عملية الإخصاب ، وهو ما يسبب ظاهرة تعرف علمياً بـإجهاض الأزهار ، فتتكون السنابل بشكل طبيعي من الخارج لكنها تبقى فارغة أو تحتوي على عدد قليل جداً من الحبوب.
وأكد أن هذه الظاهرة معروفة لدى المختصين في زراعة الحبوب على المستوى العالمي، وتعد من أبرز التأثيرات المباشرة لموجات الحر على محصول القمح، خاصة عندما تتزامن درجات الحرارة المرتفعة مع مرحلة الإزهار التي تعد الأكثر حساسية في دورة نمو النبات.
بين التغيرات المناخية ومنظومة الإنتاج
من جانبه، يرى الخبير في السياسات الزراعية أنيس خرباش أن ما حدث هذا الموسم قد يكون نتيجة تداخل عدة عوامل، مشيراً إلى أن التغيرات المناخية ونوعية مستلزمات الإنتاج قد تكون جميعها ساهمت بدرجات متفاوتة في انخفاض المردودية، وهو ما يستوجب تقييماً علمياً دقيقاً.
ويجمع مختصون على أن التغيرات المناخية أصبحت تفرض تحديات جديدة على إنتاج الحبوب، إذ لم تعد كمية الأمطار وحدها مؤشراً كافياً لضمان موسم ناجح، بل أصبح توزيعها الزمني، ودرجات الحرارة خلال المراحل الحرجة، وجودة الخدمات الزراعية، عوامل لا تقل أهمية.
الحاجة إلى تحقيق علمي
ويرى مراقبون أن الجدل القائم بين التفسيرات المختلفة يؤكد الحاجة إلى دراسة علمية تشارك فيها وزارة الفلاحة، والمعهد الوطني للزراعات الكبرى، والباحثون المختصون، لتحديد الأسباب الدقيقة لتراجع المردودية هذا الموسم، بعيداً عن الانطباعات أو التفسيرات الأحادية.
فإذا كانت موجات الحر قد لعبت دوراً أساسياً في إجهاض الأزهار، كما يؤكد المختصون، فإن ذلك يستدعي تطوير أصناف أكثر مقاومة للإجهاد الحراري وتحسين منظومة الإنذار المبكر. أما إذا أثبتت الدراسات وجود نقائص في جودة البذور أو مستلزمات الإنتاج أو الإحاطة الفنية، فإن الأمر يتطلب مراجعة شاملة لمنظومة إنتاج الحبوب.
وفي جميع الحالات، يبدو أن موسم 2026 وجه رسالة واضحة مفادها أن الأمن الغذائي في تونس لن يتحقق بوفرة الأمطار وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى منظومة إنتاج أكثر قدرة على التكيف مع التغيرات المناخية، وإلى قرارات تستند إلى البحث العلمي والمعطيات الميدانية الدقيقة.
