الرئيسيةآخر الأخبار"سلاح المهاجرين".. كيف تحولت الحدود إلى قنابل موقوتة للتفاوض مع العواصم الأوروبية؟

« سلاح المهاجرين ».. كيف تحولت الحدود إلى قنابل موقوتة للتفاوض مع العواصم الأوروبية؟

لم تعد الهجرة غير النظامية مجرد أزمة إنسانية تؤرق المنظمات الدولية، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى واحدة من أخف وأقوى الأسلحة الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. ما يسميه خبراء العلوم السياسية اليوم « الهجرة القسرية الاستراتيجية » بات يمثل أداة ضغط فتاكة بيد دول الطوق المحيطة بالقارة العجوز، لإخضاع الاتحاد الأوروبي وانتزاع مكاسب مالية وسياسية وسيادية حاسمة، مستغلة الحساسية المفرطة لصناديق الاقتراع الأوروبية تجاه هذا الملف.

وتبرز في هذا المشهد دولتان أتقنتا اللعب بورقة الحدود؛ تركيا في الشرق، والمغرب في الغرب.

أنقرة: حارس البوابة الشرقية والمليارات الستة

بدأت القصة تأخذ طابعاً ممأسساً عقب أزمة اللجوء السوري الكبرى عام 2015. حينها، أدركت أنقرة أن التدفقات البشرية نحو اليونان تشكل تهديداً وجودياً للاستقرار السياسي في بروكسل.

في عام 2016، نجحت تركيا في توقيع اتفاق تاريخي مع الاتحاد الأوروبي، حصلت بموجبه على 6 مليارات يورو لدعم اللاجئين على أراضيها. لم يكن هذا الاتفاق نهاية المطاف، بل تحول إلى صيغة تفاوضية دائمة؛ فكلما تصاعدت الخلافات التركية-الأوروبية بشأن التنقيب عن الغاز في المتوسط أو العمليات العسكرية التركية في شمال سوريا، كان التهديد بـ « فتح البوابات » يلوح في الأفق، وهو ما ترجمته أنقرة فعلياً وبشكل جزئي على الحدود البرية اليونانية عام 2020، لتدفع الأوروبيين للعودة فوراً إلى طاولة المفاوضات.

لرباط: من الدعم المالي إلى انتزاع السيادة الدبلوماسية

على الجانب الآخر من المتوسط، لم تكن غاية المغرب مالية فحسب، بل كانت الورقة الأمنية هي الأداة الأقوى لحسم ملفه المصيري الأول: قضية الصحراء الغربية.

في مايو 2021، استيقظت إسبانيا على تدفق مفاجئ لأكثر من 10 آلاف مهاجر اقتحموا جيب سبتة المحتل في غضون 48 ساعة، بعد أن غضت قوات الأمن المغربية الطرف عن الحدود. كانت الرسالة الدبلوماسية مشفرة بالبشر: « استقبالكم لزعيم جبهة البوليساريو، إبرهيم غالي، للعلاج في مستشفياتكم بهوية مزورة له ثمن باهظ ».

لم تمر أشهر قليلة على هذه الهزة العنيفة حتى أعلنت مدريد عن تحول تاريخي وغير مسبوق في سياستها الخارجية، معلنة دعمها الرسمي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية للصحراء. لحقت بها برلين، ثم باريس لاحقاً، مما أكد نجاح الرباط في استخدام « هندسة الحدود » لإعادة صياغة المواقف الدبلوماسية للقوى الأوروبية الكبرى.

« تصدير الحدود »: الاستراتيجية الأوروبية المأزومة

أمام هذا الابتزاز المنظم، وجد الاتحاد الأوروبي نفسه مجبراً على تبني استراتيجية « تصدير الحدود » (Externalization). وتعني هذه السياسة ببساطة تحويل دول الجوار إلى « حراس أمن » مدفوعي الأجر عبر إبرام صفقات مالية ضخمة.

ولم يعد الأمر مقتصراً على تركيا والمغرب؛ بل امتدت هذه العقيدة الأوروبية لتشمل اتفاقيات مماثلة مع تونس، ومصر، وموريتانيا. يرى المنتقدون أن هذه السياسة تمنح العواصم الخارجية « حق الفيتو » على القرار الأوروبي، وتجعل بروكسل رهينة دائمة للتهديد بموجات هجرة جديدة.

المعادلة الصفرية

في المحصلة، يثبت الواقع الجيوسياسي الحالي أن المهاجرين تحولوا – دون إرادتهم – من باحثين عن الأمان إلى « ذخيرة سياسية ». وطالما ظلت الحكومات الأوروبية تخشى صعود اليمين المتطرف وتأثير المهاجرين على الرأي العام الداخلي، ستبقى دول الطوق ممسكة بصنبور الهجرة، تفتحه أو تغلقه وفقاً لبورصة مصالحها السياسية والمالية مع القارة العجوز.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى