للمرة الأولى منذ سنوات، بدا الخطاب الرسمي بشأن المؤسسات العمومية مختلفا. فتصريحات وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ،يوم 29 جويلية الجاري التي أكد فيها أن أغلب المؤسسات العمومية أصبحت تمثل عبئا على ميزانية الدولة أكثر من كونها مصدرا للإيرادات، فتحت بابا ظل مغلقا طويلا أمام نقاش اعتبر إلى وقت قريب من « المحرمات » في تونس.
فالوزير لم يكتف بالإقرار بصعوبة الوضعية المالية لهذه المؤسسات، بل ربطها بشكل مباشر بالضغط المتزايد على المالية العمومية، في وقت تشدد فيه الحكومة على ضرورة الحد من التداين والمحافظة على استدامة المالية العمومية. وهي معادلة تبدو اليوم أكثر تعقيدا من أي وقت مضى، إذ يصعب الحديث عن تقليص الاقتراض في ظل استمرار نزيف المؤسسات العمومية التي تحتاج سنويا إلى مليارات الدنانير في شكل ضمانات أو قروض أو إعادة رسملة.
هذا الاعتراف يطرح سؤالا مشروعا: هل عاد الوعي إلى صانع القرار الاقتصادي في تونس بعد سنوات من تأجيل الإصلاحات والاكتفاء بالحلول الظرفية؟
الواقع أن عددا كبيرا من المؤسسات العمومية يعيش منذ سنوات على وقع اختلالات هيكلية عميقة. فالخطوط التونسية، وشركة فسفاط قفصة، والمجمع الكيميائي التونسي، والشركة التونسية للكهرباء والغاز، والشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، وشركات النقل العمومي، ودواوين الحبوب والتجارة وغيرها، تواجه صعوبات مالية متراكمة جعلت الدولة تتحمل بصورة متواصلة كلفة إنقاذها، في حين بقيت برامج الإصلاح تراوح مكانها.
وقد أدى ذلك إلى تضخم حجم الديون والالتزامات المالية، حتى أصبحت المؤسسات العمومية نفسها تشكل أحد أهم مصادر المخاطر التي تهدد توازنات المالية العمومية، إلى جانب ارتفاع الدين العمومي وتزايد كلفة خدمة الدين.
ورغم أن مختلف الحكومات المتعاقبة تحدثت عن إصلاح المؤسسات العمومية، فإنها كانت تتجنب الخوض في أكثر الملفات حساسية، وهو ملف إعادة هيكلة الملكية. فقد بقيت فكرة التفويت في بعض المؤسسات أو فتح رأس مالها أمام مستثمرين أو إدخال شركاء من القطاع الخاص تصطدم برفض سياسي ونقابي واسع، حتى تحولت إلى خط أحمر لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه.
غير أن الظروف الاقتصادية الحالية تختلف كثيرا عما كانت عليه قبل سنوات. فالدولة أصبحت مطالبة بتمويل استثمارات كبرى، وتحسين الخدمات الأساسية، والحد من عجز الميزانية، وفي الوقت نفسه مواصلة دعم مؤسسات لا تحقق في كثير من الحالات مردودية اقتصادية تتناسب مع الأموال التي تضخ فيها.
وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل حان الوقت لإعادة النظر في دور الدولة كمالك مباشر لكل هذه المؤسسات؟
ففي العديد من دول العالم، لم يعد الإصلاح يعني بالضرورة التخلي عن المؤسسات العمومية، بل أصبح يقوم على اعتماد صيغ أكثر مرونة، مثل التفويت الجزئي في رأس المال، أو إدخال شركاء استراتيجيين، أو الشراكة بين القطاعين العام والخاص، مع احتفاظ الدولة بالقطاعات ذات البعد السيادي أو الأمني أو الاجتماعي.
ولا يتعلق الأمر ببيع ممتلكات الدولة بأي ثمن، وإنما بطرح سؤال اقتصادي بسيط: هل من المجدي أن تواصل الدولة تمويل مؤسسات خاسرة عاما بعد عام، أم أن من الأفضل البحث عن صيغ جديدة تضمن استمراريتها وتحسن خدماتها وتخفف العبء عن دافع الضرائب؟
إن تصريحات وزير الاقتصاد قد تكون مجرد توصيف لواقع تعرفه الحكومة منذ سنوات، لكنها قد تكون أيضا مؤشرا على بداية تحول في طريقة التفكير، وانتقال النقاش من مرحلة الإنكار إلى مرحلة الاعتراف بالمشكلة.
ويبقى الرهان الحقيقي في ما إذا كان هذا التحول سيتجسد في قرارات إصلاحية جريئة، أم أنه سيلتحق بقائمة طويلة من التشخيصات التي بقيت حبيسة التصريحات دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ.
وفي النهاية، يبدو أن السؤال لم يعد يتعلق فقط بخسائر المؤسسات العمومية، بل بقدرة الدولة نفسها على اتخاذ قرارات كانت إلى وقت قريب تعد من المحظورات السياسية والاقتصادية. فهل عاد الوعي فعلا؟ أم أننا أمام خطاب جديد لن يغير شيئا من واقع قديم؟
فيما يلي جرد لأبرز أوضاع المؤسسات العمومية، استنادا إلى أحدث المعطيات الرسمية والتقارير المالية المنشورة:
| المؤسسة | الوضعية المالية |
|---|---|
| الخطوط التونسية | من أكثر المؤسسات خسارة، تعاني مديونية ضخمة تجاوزت مليارات الدنانير، وتحتاج باستمرار إلى دعم الدولة وإعادة هيكلة. |
| الشركة التونسية للكهرباء والغاز | عجز مالي متواصل نتيجة ارتفاع كلفة الطاقة والدعم وتراكم الديون لدى الحرفاء والمؤسسات العمومية، مع حاجيات تمويلية كبيرة. |
| الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه | خسائر متراكمة بسبب بيع المياه بأسعار دون الكلفة وارتفاع كلفة الاستثمار والطاقة. |
| ديوان الحبوب | يعتمد بشكل شبه كلي على تمويلات الدولة والاقتراض لتوريد الحبوب. |
| ديوان التجارة | يتحمل أعباء منظومة الدعم ويحتاج باستمرار إلى تمويلات من الخزينة. |
| شركة نقل تونس | خسائر سنوية كبيرة وديون متراكمة ونقص في الاستثمار والصيانة. |
| الشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية | صعوبات مالية وهيكلية كبيرة مع تراجع المردودية. |
| الشركة التونسية للملاحة | تعاني ضغوطا مالية وارتفاع تكاليف الاستغلال. |
| المجمع الكيميائي التونسي | تراجعت نتائجه المالية بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة بسبب انخفاض الإنتاج وتعطل النشاط في عدة مواقع. |
| شركة فسفاط قفصة | خسائر بمئات الملايين سنويا نتيجة انهيار الإنتاج وارتفاع كتلة الأجور وكلفة الإنتاج. |
أرقام تعكس حجم الأزمة
- تضم تونس أكثر من 100 مؤسسة ومنشأة عمومية.
- جزء مهم منها يسجل عجزا ماليا متواصلا.
- ديون المؤسسات العمومية تقدر بعشرات المليارات من الدنانير.
- الدولة ضخت خلال السنوات الأخيرة مليارات الدنانير في شكل ضمانات وقروض وإعادة رسملة حتى تتمكن هذه المؤسسات من مواصلة النشاط.
- عدد من المؤسسات لم يعد يمول استثماراته من موارده الذاتية، بل يعتمد كليا على ميزانية الدولة أو الاقتراض بضمانها.
