بعد أشهر قليلة من تقديمها كأحد أبرز المكاسب الاجتماعية في قانون المالية لسنة 2026، يبدو أن مبادرة « سيارة لكل أسرة » تواجه اختبار الواقع. فالحلم الذي استبشر به آلاف التونسيين يصطدم اليوم بعقبات قانونية ومالية وإدارية، بعدما أقرت الحكومة نفسها بأن تطبيق الإجراء بصيغته الحالية يكاد يكون مستحيلاً، لتتحول الوعود التي رافقت المصادقة على القانون إلى مشروع معلّق ينتظر حلولاً لم تكتمل بعد.
وخلال جلسة عامة بمجلس نواب الشعب، أكدت وزيرة المالية مشكاة سلامة الخالدي أن تنفيذ هذا الإجراء يواجه عراقيل مالية وقانونية وإدارية معقدة، وهو ما يعيد إلى الواجهة التحذيرات التي كانت قد أطلقتها منذ مناقشة مشروع قانون المالية أواخر سنة 2025.
تحذيرات سابقة لم تمنع المصادقة
عند مناقشة الفصل المتعلق بتمكين كل أسرة من استيراد سيارة بشروط تفضيلية، شددت وزيرة المالية آنذاك على أن الفكرة تحمل بعدا اجتماعيا، لكنها طرحت أسئلة جوهرية حول كيفية تمويلها.
وأوضحت أن التشريع المتعلق بالصرف لا يسمح للأفراد باستيراد السيارات بحرية، كما أن احتياطي البلاد من العملة الصعبة يجب أن يخصص أساسا لتوريد المواد الأساسية مثل الحبوب والطاقة والمواد المدعمة، محذرة كذلك من انعكاسات الاستيراد الواسع للسيارات على ميزان الدفوعات وعلى البيئة.
ورغم هذه التحفظات، صادق البرلمان على المشروع بأغلبية ساحقة بلغت 131 صوتا مقابل رفض نائبين واحتفاظ نائب واحد.
عقبات لم تتغير
وبعد نحو ثمانية أشهر، تؤكد الحكومة أن الإشكاليات نفسها ما تزال قائمة.
وتتمثل أولى العقبات في توفير العملة الصعبة اللازمة لتمويل واردات السيارات، وهو ما قد يشكل ضغطا إضافيا على احتياطي النقد الأجنبي.
كما كشفت وزيرة المالية عن وجود فراغ قانوني، إذ لا يتضمن النص أي آلية واضحة لتحديد المستفيدين أو تنظيم التسجيلات أو ترتيب الأولويات في حال تجاوز عدد المطالب الإمكانيات المتاحة، فضلا عن غياب الجهة الإدارية التي ستتولى تنفيذ البرنامج.
وأشارت إلى أن نظام « السيارة الشعبية » يقوم على إطار قانوني وإداري واضح، في حين يفتقر الإجراء الجديد إلى مثل هذه الآليات.
إشكاليات قانونية
وكان أستاذ القانون البنكي محمد النخيلي قد أوضح، مباشرة بعد المصادقة على قانون المالية، أن تفعيل هذا الإجراء يبقى رهين صدور قرار مشترك بين وزارتي المالية والتجارة يحدد شروط الانتفاع وأنواع السيارات والإجراءات العملية للاستيراد.
كما أكد أن قانون الصرف الحالي لا يسمح عمليا للمواطن بتمويل استيراد سيارة بالعملة الأجنبية، مبينا أن الحل الوحيد المتاح قانونيا يكاد يقتصر على تلقي السيارة كهبة من تونسي مقيم بالخارج، في حين يبقى الحصول على ترخيص استثنائي من البنك المركزي أمرا نادرا.
حلم مؤجل
ويكشف هذا الملف، مرة أخرى، عن الفجوة بين المصادقة على النصوص القانونية وإمكانية تنفيذها فعليا، إذ إن الإشكاليات التي تستند إليها الحكومة اليوم كانت مطروحة منذ البداية، لكنها لم تمنع تمرير المشروع داخل البرلمان.
وبذلك، يبقى مشروع « سيارة لكل أسرة » معلقا إلى إشعار آخر، في انتظار إصدار النصوص التطبيقية، وتوفير التمويلات اللازمة، وحسم الإشكالات القانونية والتنظيمية، ما يجعل واحدا من أبرز وعود قانون المالية لسنة 2026 أقرب إلى حلم مؤجل منه إلى برنامج قابل للتنفيذ.



