نفت الغرفة النقابية الوطنية لصناعة المشروبات غير الكحولية ما راج خلال الأيام الأخيرة على عدد من صفحات ومواقع التواصل الاجتماعي بشأن تعمد منتجي المياه المعدنية حجب الكميات عن السوق أو تخزينها بهدف المضاربة، مؤكدة أن هذه الاتهامات لا تستند إلى أساس من الصحة.
وتأتي هذه التوضيحات في وقت تشهد فيه عدة مناطق تونسية اضطرابا في توفر المياه المعدنية، وسط شكاوى متزايدة من المواطنين بشأن صعوبة العثور على بعض الأنواع وارتفاع الطلب عليها، وهو ما فتح الباب أمام انتشار روايات تتحدث عن وجود مخزونات لدى المنتجين يتم الاحتفاظ بها انتظارا لارتفاع الأسعار.
ما هي الإشاعات التي نفتها الغرفة؟
وتتمثل أبرز ما نفته الغرفة في تداول معلومات تفيد بأن شركات إنتاج المياه المعدنية تتعمد تقليص الكميات المطروحة في الأسواق، أو تحتفظ بجزء من إنتاجها في المخازن لخلق نقص مصطنع، بما يسمح بالمضاربة وتحقيق أرباح أكبر لاحقا.
كما ربطت بعض المنشورات بين ندرة المياه المعدنية في عدد من نقاط البيع وبين فرضية وجود مخزونات لدى المنتجين، في حين ذهبت روايات أخرى إلى الحديث عن تعمد عدم تزويد بعض المناطق بالكميات الكافية.
الغرفة نفت هذه الفرضيات جملة وتفصيلا، مؤكدة أن المؤسسات المنضوية تحت لوائها تعمل حاليا بأقصى طاقتها الإنتاجية المتاحة، وأن الأولوية تتمثل في ضمان استمرارية التزويد وتلبية حاجيات المستهلكين في مختلف أنحاء البلاد.
الطلب قفز بنحو 30 بالمائة
وبحسب الغرفة، فإن التفسير الأساسي للاضطراب الحالي لا يتعلق بالاحتكار، وإنما بالارتفاع الاستثنائي في الطلب خلال صيف 2026، والذي ناهز 30 بالمائة مقارنة بالمعدلات المعتادة.
ويأتي ذلك في سياق موجات الحر الشديدة التي شهدتها تونس، والتي دفعت الاستهلاك اليومي للمياه المعلبة إلى مستويات مرتفعة للغاية، بالتزامن مع تزايد الحاجة إلى المياه بسبب الارتفاع الكبير في درجات الحرارة.
لكن ارتفاع الطلب لم يكن العامل الوحيد.
فقد تزامنت ذروة الاستهلاك مع انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي في عدد من المناطق، الأمر الذي أدى إلى توقف بعض وحدات إنتاج المياه المعدنية عن النشاط لفترات متفاوتة، وانعكس بالتالي على حجم الإنتاج وسرعة التزويد.
المخزون الشتوي استُنزف
وأوضحت الغرفة أن المنتجين يعتمدون عادة على تكوين مخزون خلال أشهر الشتاء، باعتبار أن الطاقة الإنتاجية الوطنية تكون في الظروف العادية قادرة على تغطية الاستهلاك، قبل أن يرتفع الطلب بشكل حاد خلال الصيف.
غير أن الارتفاع الاستثنائي للاستهلاك هذه السنة، إلى جانب الاضطرابات التي عرفها الإنتاج بسبب انقطاع الكهرباء، أدى إلى استنزاف هذا المخزون الاحتياطي الذي يفترض أن يساهم في تغطية الفارق بين الإنتاج والاستهلاك خلال أشهر الذروة.
وبذلك، فإن نقص بعض الأنواع في بعض المناطق لا يعني بالضرورة وجود كميات مخفية، بل يمكن أن يكون نتيجة مباشرة للفجوة المؤقتة بين سرعة الطلب وقدرة منظومة الإنتاج والتوزيع على مواكبته.
لماذا لا ترى الغرفة مصلحة في المضاربة؟
الغرفة اعتبرت أن فرضية تخزين المياه المعدنية بهدف المضاربة لا تستقيم اقتصاديا في الظرف الحالي.
فالطلب، وفق تقديراتها، بلغ مستويات استثنائية بسبب الحرارة، لكن هذه الوضعية لن تستمر بالضرورة بنفس الحدة مع تراجع درجات الحرارة خلال الفترة المقبلة.
وبالتالي، فإن الاحتفاظ بكميات كبيرة حاليا بهدف طرحها لاحقا قد يعني مواجهة سوق أقل طلبا، وهو ما يقلص الجدوى الاقتصادية لمثل هذه الممارسات.
تنسيق مع وزارة التجارة والديوان الوطني للمياه المعدنية
وفي مواجهة اضطراب التزويد، أكدت الغرفة وجود متابعة مستمرة لوضعية السوق بالتنسيق مع وزارة التجارة وتنمية الصادرات والديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه.
وتتمثل آلية المتابعة في اجتماعات دورية لرصد مستويات الإنتاج والكميات المتوفرة، إلى جانب توجيه عمليات التوزيع وفقا لحاجيات مختلف المناطق.
كما تتم عمليات التزويد حاليا تحت إشراف ومتابعة الإدارات الجهوية للتجارة، بهدف تحقيق أكبر قدر ممكن من التوازن في توزيع الكميات المتاحة بين الجهات.
هل تنتهي أزمة المياه مع انكسار موجة الحر؟
وتراهن الغرفة على تراجع درجات الحرارة خلال الفترة القادمة لتخفيف الضغط على السوق، بما يسمح تدريجيا باستعادة التوازن بين الإنتاج والاستهلاك.
وأكدت أن الطاقة الإنتاجية الوطنية مسخرة حاليا إلى أقصى حد ممكن، وأن مختلف المتدخلين يعملون بالتنسيق مع السلطات المختصة من أجل استعادة النسق العادي للتزويد في أقرب الآجال.
وبين شائعات الاحتكار وواقع الطلب القياسي، تبدو أزمة المياه المعدنية هذا الصيف مرتبطة أساسا بمعادلة بسيطة لكنها صعبة: استهلاك ارتفع بسرعة كبيرة، وإنتاج تعرض في الوقت نفسه لاضطرابات، ومخزون احتياطي لم يعد قادرا على سد الفجوة كما كان يحدث في المواسم السابقة.
